מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

لا حضارة بدون نساء.. ولا ديمقراطية بلا تعددية

ولا ثقافة بلا نقد ولا نصوص صنمية

بقلم سيمون خوري*

بين لا آتنا ، ونعمهم التي تتحول إلى لعم أو لغم ، لا فرق مسافة ضوئية شاسعة بين السلام والحرب ، بين الحب والكراهية . نحن لدينا نعم واحدة ، هي نعم لحق الإنسان بالعيش كريماً . بينما الآخر المختلف ما لديه من لا آت تفوق ربما العدد مائة ، بمعناه العربي وليس التركي .

النساء نصف المجتمع ، والتعددية إحدى مواصفات وشروط الديمقراطية. والنقد ناقل الثقافة وحامي المجتمع من تسلط الإله الدنيوي ، والغيبي . والنص المقدس صنم يعبد . والعقائد هي تراث أدبي وإنساني فيه الجميل كما فيه الوجه القبيح .

كل عصر يحمل في أحشاءه ملامح ما قبله ، وجينياته الموروثة ، فكراً وعملاً . والتطور قانون الحياة ، لكن لا يمكن لمن ولد حماراً أن يموت حصاناً . هناك مثل فلندي سبق وقرأته على هذا الموقع الجميل يقول : من السهل على الإنسان قطع مائة شجرة .. لكن من الصعب عليه رعاية شجرة واحدة .

من السهل على أصحاب عقلية الإرهاب زرع متفجرة بسوق خضار ، أو قتل رجل دين مخالف .. أو جلد إمرأة ، أو رفع سيف التكفير ضد العقل والنقد . لأن النقد يجرد هذا وذاك من أدعياء الجهل وحفظة وفنون الخطابة الكلاسيكية منذ عصر ( أما بعد ) ويجردهم من سلاحهم الماضوي بيد أنه من الصعب عليهم بناء إنسان يمتلك ذاته ، وليس مملوكاً أو رقاً لكاهن ومفتي ومشعوذ أو لصبي قهوجي . ما نؤمن به قدسية الإنسان وحقه في حياة كريمة مصان فيها مالة وكرامته ، وحقه في التفكير والتعبير عن رأيه . بغض النظر عن لونه وعرقه ، وإنتماءه . هذا هو الإنسان سيد نفسه . وليس الإنسان عبد النص أياً كان . وإن شئت أن تعبد نصاً ، فدور العبادة مفتوحة . هل هناك أجمل من رؤية السعادة على وجوه البشر ، أو أن تسمع لحناً موسيقياً أو أغنية جميلة ..؟ أصبحت الموسيقى  من المحرمات ، في حين كانت تعزف الموسيقى في قصور الخلفاء ، ويتمايل جسد الراقصات طرباً ويوزع أبو نواس خمر المؤمنين على أتباع السلف والخلف الصالح . بينما عامة الشعب محرم عليهم ما هو محلل للسلطان . صورة طبق الأصل ما بين الأمس واليوم . أما الفقير فيجب أن تسكن مخيلته صباح مساء صور عذاب القبر والأجهزة الأمنية ( الأنكر ونكير ) ولا تفارق مخيلة المواطن المسكين هذه الصورة ، وكأنك في أحد عوالم سلفادور دالي الخرافية . ناس بوضع مقلوب ،وعيون جاحظة لأنها نظرت إلى إمرأة ، وذاك معلق من سرته ، ربما بسبب تقرير مزور لأحد العسس أو مخبرين من القاعدين على اليمين واليسار ...؟ يا سبحان الله ، نقولها بلغة أهل المشرق ؟، وليست بلهجة أهالي جنوب السودان ..؟ هل هذا هو الإله الذي يجري تسويقة . هل الإله خالق كل جمال الطبيعة والموسيقى وشدو العصافير وإبتسامة الأطفال ، هو ذاته الإله المنتقم الجبار ، المتكبر ، ذي البأس الشديد ، المانع الجامع القوي ، والعنيد ، والماكر ..؟ هو ذات الإله صانع الطبيعة والحب والحياة ..؟ شخصياً أشك في ذلك ، ترى هل هناك إلهين أو أكثر ونحن لا نعلم ..؟ ربما البعض مثل الزوج المخدوع ـ لا يعلم شيئاً عما يوجد في آخر ممر الحياة . لذا أحياناً كثيرة على المرء إدراك الواقع قبل معرفة الغيب . على الأقل ففي هذه الحالة ، لا يكون قد خرج من الدنيا بحذاء منتظر الزيدي الذي حل محل خف حنين . وعلى كل حال نحن نعيش حياتنا بكل ما فيها من صخب وهدوء . بيد أن هاجسنا الدائم هو الدفاع من أجل توفير الخبز والحرية معاً لهذا العالم العربي المسكون بصمت النص والديكتاتوريات الخلافية . شعوب لا تعرف كيف تبتسم ؟

ليسمح لي القارئ هنا الإشارة إلى موضوع هام له علاقة بعالمنا المتصحر .

عندما إستلم شارل ديغول رئاسة فرنسا ، وهو بصدد تشكيل وزارته ، إنتهي من وضع كافة الأسماء في مناصبها ، بإستثناء وزارة الثقافة . حينها وضع قلمة على المنضدة ، ونظر في وجوه مستشارية قائلاً لهم ساعدوني فقد وجدت صعوبة في البحث عن الشخص المناسب لأهم وزارة في فرنسا .

وعندما شكل رئيس الوزراء اليوناني الراحل أندرياس بباندريو أول وزارة له عين المغنية والممثلة ( ماريا ميركوري ) وزيرة للثقافة . مغنية ..؟ أعوذ بالله من غضب الله . هل الإله يغضب ..؟ ما نوع هذا الإله الذي يغضب ضد خلقه ، وعلى رأي الجاحظ فقد أودع فيه عقلاً ..؟ فيما نحن مجتمعين أجسادنا لا تساوي ذرة غبار كوني في هذا السديم الفضائي . دون الحديث عن المجرات الأخرى والشموس الأخرى .. فهو يراقب وهو السميع العليم . لماذا لا يخرج فقهاء الزمن الماضي من صومعتهم ، ومن طائفيتهم ، ومن هويتهم الصغيرة القومية والطائفية لنشر ثقافة ألا عنف . ترى ما الفرق بين نظام الحزب الواحد الشمولي ، قومي ، إشتراكي .. وبين الدين الواحد الذي يسير عبيدة إلى جنة الخلد أو إلى جهنم الحمراء ، ولاحظ هنا كلمة الحمراء ، ليس المقصود بها مصطلحاً شيوعياً بل هي شدة النار . علماً أن النار عندما تشتد تتحول إلى زرقاء . يا سبحان المولى . وهذه المرة ليست بلهجة الأمازيغ بل بلغة أهل الشرق .
للكاتب والحقوقي السيد ( برهان غليون ) مقال جميل منذ خمس سنوات خلت يقول فيه : ( هناك إستحقاقات تاريخية تفرض نفسها على البشر والمجتمعات . ومهما حاول المرء تجاهلها ، لا بد أن أن تعود مراراً وتكراراً لتذكر بنفسها . ولا يمكن أن يؤدي تجاهلها إلا إلى المزيد من إلحاحها ، وتفاقم سوء العواقب التي يصعب في ما بعد التحكم بها أو مواجهتها . وكما أن الورقة التي تسقط من الشجرة يصعب إعادة الحياة إليها ، فإن الجسد الذي يفقد الحياة يتحول إلى جثة . وإذا لم يقم باللازم لدفن الجثة في وقته ، وإهالة التراب عليها فلن يكون مصيرها مهما إستخدم الحالمون من عقاقير الطب والتعاويذ والأساليب السحرية ، سوى مزيد من التفسخ والإنحلال ) .

نحن في عصر الإنحلال والتفسخ والقبلية والطائفية والإرهاب ، بعد أن استعان الإله لنفسه بمليشيا تحمل إسمه . نحن لسنا لوثر ألمانيا ، ولا كالفن أو زيمن سويسرا ولا قسس ولا أصحاب لحى وشادور باكستاني. بل هي واضحة هناك خلل في بنية المجتمعات العربية منبعها عبادة النصوص الوثنية . لم تعد هناك طواحين هواء لمصارعتها ، بل هناك حركة علم متطورة ، وعصر متسارع ، وثقافات إنسانية أكثر تطوراً من كافة العقائد الطوطمية . العالم يتطور مخلفاً وراءه عالم من الفراغ المريع ، مهمة الإصلاح الأولى تعني وضع العقائد في مكانها المناسب . نختم هذه المادة بقول للشاعر المبدع أبو العلاء المعري :

قلتم لنا خالق قديم قلنا صدقتم كذا نقول

زعمتموه بلا مكان ولا زمان ألا فقولوا

هذا كلام له خببئ معناه ليست لنا عقول .

وفي مقاطع أخرى

إني رأيت بني الزمان لجهلهم بالدين أمثال النعام أو النعم

لو قال سيد غضا بعثت بملة من عندي ربي قال بعضهم صدقت

ومقاطع أخرى

ما دان الفتى بحجي ولكن يعلمه التدين أقربوه

وينشأ نا شئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه

 
ومقطع أخير

جلوا صارماً وتلوا باطلاً وقالوا صدقنا فقلنا نعم .

في قصيدة ليزيد بن معاوية الأموي بعد ضرب الكعبة بالمنجنيق (سلاح المدفعية القديم) نقلها إبن الزبعري.

 هكذا إسمه :

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل

وفي قول آخر:

ألا أبلغ آل هاشم عني لانبي جاء ولا وحي نزل .

ثم مقطع من قصيدة للوليد : مخاطباً القرآن

إذا ما جئت ربك يوماً فقل له يارب مزقني الوليد

أما القس ورقة بن نوفل ، وكان عم السيدة ( خديجة ) السيدة العظيمة وكانت نصرانية الدين ، وقد توفي قبل إعلان الدعوة ، يقول في أبياته :

لا تعبدون إلهاً غير خالقكم فإن دعوكم فقولوا بيننا حدد

سبحان ذي العرش سبحاناً نعوذ به وقد سبح الجودي والجمد

مسخر كل ما تحت السماء له لا ينبغي أن يناوى ملكه أحد

لا شئ مما نرى تبقى بشاشته يبقى الإله ويودي المال والولد

وقول أخر له

سبحوا الله شرق كل صباح طلعت شمسه وكل هلال

عالم السر والبيان لدينا ليس ما قاله ربنا بضلال .

--------------------

* المصدر: العلمانية هي الحل, مركز الدراسات و الأبحاث العلمانية في العالم العربي – www.ssrcaw.org  - 29.11.2009

 

 

12/1/2009