מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

في ذكرى المفكر التقدمي حسين مروة

(1910-1987)

 

"زيدوا ثقافتكم يا رفاقي.. نظموا، أكثر، عملية التثقيف، حتى تتزايد شعلة الضياء تأججاً وسط الظلام الذي يريد أن يطغى"
 
د. حسين مروة

 

تمر هذه الأيام الذكرى العشرون لاستشهاد المفكر والفليسوف الأممي الدكتور حسين مروة أحد أهم رموز الثقافة العربية في القرن العشرين. الذي اغتيل في بيروت (18 فبراير-شباط 1987) في منزله. الدكتور حسين مروه، (1910-1987), عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني, قيادي شيوعي بارز في العالم العربي. له العديد من المؤلفات ويعتبر أبرزها وأكثرها شهره على الإطلاق كتاب النزاعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية الكتاب الذي أثار جدلا كبيراً في وقته. رصاصة الغدر اغتالته في منزله في بيروت (18 فبراير-شباط 1987).

 

 

في ذكرى عشرون عاماً على رحيله كتب الأستاذ مازن لطيف علي: "أعتبر حسين مروة من الأوائل الذين لفتوا انتباه اليساريين إلى أهمية قراءة التراث العربي الإسلامي برؤية تقدمية فاتحاً الطريق للعديد من الباحثين لتكلمة المشوار.. الطيب تيزيني، هادي العلوي، مثلا.. ففي مشروعه الكبير (النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية) الذي قضى عقد نم الزمن لانجازه، قدم مروة قراءة للتراث العربي الإسلامي بلغة ومنهج ماركسي مثيراً بتلك القراءة والتفسير جدلاً واسعاً في الأوساط الدينية والمتطرفة منها، فكتاب النزعات المادية ذو أهمية معرفية وثقافية وسياسية كبيرة، لكنه ينتقد النزعات كونه كتاب أيديولوجي محكوم من حيث تأسيسه واستنتاجاته مسبقاً برؤية ماركسية، لكن منجز مروة المتميز لم يكتمل والسبب هو اغتياله من قبل قوى الظلام وخفافيشها الذين سيطر عليهم مارد التعصب فاغتالوا مروة بكاتم الصوت واغتالوا معه الجزء الثالث معه (كان الجزء الثالث) بحث في الفلسفة".

 

حسين مروة - مؤسّس مدرسة النقد

الواقعي الاشتراكي في العالم العربي

 

بقلم: د. حبيب بولس, (عكا)

 

أ- حسين مروة في سطور: في كتابه “شخصيات وادوار في الثقافة العربية الحديثة”, كتب “محمد دكروب” فذلكة لحياة حسين مروة باختصار يقول فيها: ولد حسين مروة عام 1910 في بلدة حداثا الجنوبية المتاخمة للحدود اللبنانية- الفلسطينية.

بدا اهتمامه بالكتابة الأدبية منذ سنوات دراسته الأولى في العشرينات من القرن الماضي, فكتب القصة والمقالة والنقد والبحث وكتب القليل من الشعر, ومنذ أوائل الثلاثينات حتى أواخر الأربعينات اقتصر نشر كتاباته على المجلات والصحف العراقية, خصوصا مجلتي “الهاتف” النجف و “الحضارة”, وجريدتي “الرأي العام” و “الساعة” بغداد.

عام 1948 شارك أدبيا وإعلاميا وعمليا, في أحداث الوثيقة الوطنية العراقية التي أسقطت معاهدة “بورتسموث” البريطانية الاستعمارية مع حكومة العهد الملكي حينذاك. ولكن عندما حدثت الردة الرجعية وأعيد العميل الاستعماري “نورة السعيد” إلى الحكم (أيار 1949), ابعد “حسين مروة” من العراق وأعيد من وطنه لبنان بعد هجرة طويلة.

في لبنان استأنف نشاطه الثقافي, والكتابة الأدبية, واخذ يكتب زاويته اليومية المعروفة بعنوان ” مع القافلة” في جريدة “الحياة”, وظل يكتبها سبع سنوات متواصلة.

في الوقت نفسه أسهم في تأسيس مجلة “الثقافة الوطنية” وفي تحريرها, وقد أدت هذه المجلة طوال فترة الخمسينات دورا طليعيا للأدب والفكر التقدميين في البلاد العربية بأسرها. وفي هذه المجلة نشر الكثير من دراساته في التراث الثقافي العربي, بضوء النظرة العلمية (الماركسية) فكانت من أوائل الدراسات التي تكتب بهذا الضوء في هذا الميدان. كما بدا في المجلة نفسها ينشر سلسلة دراساته النقدية في الأدب الواقعي الجديد. كما أسهم في أداء الدور نفسه في مجلة الطريق.

اشترك في معظم مؤتمرات الأدباء العرب, وقدّم فيها العديد من الدراسات والأبحاث. وقد اشترك بنشاطات منظمة كتاب آسيا وأفريقيا, وهو عضو في الهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب اللبنانيين منذ تأسيسه. كما انتخب عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني.

منح جائزة لوتس العالمية عام (1980), وهي الجائزة التي تمنحها منظمة كتاب آسيا وأفريقيا, منح وسام الآداب والفنون من هيئة رئاسة مجلس الشعب الأعلى في جمهورية اليمن الديمقراطية.

من مؤلفاته:

·    “مع القافلة” عام 1952:

مجموعة مقالات في الأدب والنقد والحياة, وقد شكلت في حينه لونا جديدا في أدب المقالة. (منشورات دار بيروت).

·    “الثورة العراقية” (1958): عن جذور وأسباب الثورة العراقية (تموز 1958) والظروف الاجتماعية السياسية والكفاحية التي أدت إلى انتصارها (منشورات دار الفكر الجديد).

·    “قضايا أدبية” (عام 1956): مجموعة من الدراسات النقدية التي أسهمت في التأسيس لمنهج جديد في النقد الأدبي, المنهج الواقعي, وكانت حصيلة معركة على مدى الخمسينات مع أصحاب نظرية “الفن للفن” (منشورات دار الفكر- القاهرة).

·    “دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي” (1956).

هذا الكتاب هو متابعة وتعميق للمعركة الأدبية الأيديولوجية نفسها, ويمتاز باحتوائه دراسات تطبيقية للعديد من الآثار الأدبية الإبداعية للكتاب من لبنان ومن مختلف البلدان العربية. وقد نال هذا الكتاب جائزة “جمعية أصدقاء الكتاب, عام 1956″. للكتاب طبعتان, الأولى عام 1956 عن دار مكتبة المعارف, بيروت. والثانية عن دار الفارابي عام 1976.

·    “دراسات في الإسلام” بالاشتراك مع آخرين. 1979: وهو كتاب ينظر إلى الإسلام في بعض عهوده القديمة والحديثة, بضوء المنهج المادي/ الديالكتيكي. ويقدّم تفسيرا معاصرا للدور التقدمي الذي أدته بعض الحركات الإسلامية. (منشورات الفارابي)

·    “النزعات المادية في الفلسفة العربية- الإسلامية” (1978): هو انجازه الكبير, صدر منه جزآن بحوالي ألفي صفحة من القطع الكبير: هذا الكتاب يشكّل عملا تأسيسيا في مجال البحوث التراثية العربية المعاصرة, يقدم معرفة علمية جديدة بالتراث الفكري الفلسفي العربي, إذ ينظر إلى مكانه من اللحظة التاريخية في خط تطور المجتمع العربي- الإسلامي خلال العصور الوسطى. ويشكّل إلى هذا عملية مسح معرفي لخطوات ونقلات تاريخية للعرب يتفاعل خلالها التطور الاجتماعي والتطور الفكري, منذ الجاهلية حتى القرن الرابع الهجري. (منشورات دار الفارابي).

·    “الموقف الثوري في الأدب” (1980): يتناول فيه بالدرس والتحليل علاقة الأدب بالثورة”. ويلقي الضوء على حركة التحرر الوطني العربي والأدب العربي. وعلى أدب الأزمة اللبنانية (1975-1976), وعلى أدب الثورة الفلسطينية, وعلى أدب المقاومة, وعلى أدب حربي حزيران, واوكتوبر,  وكذلك يبحث فيه بين الفن والعلم, كما ويتناول فيه الموقف الثوري من التراث والموقف الثوري من التراث في الدين والفلسفة. (منشورات الفكر العربي).

·    “دراسات في الفكر والأدب”- تحرير “محمد دكروب” (1993) الكتاب مجموعة دراسات, جمعها “محمد دكروب” بعد اغتيال حسين مروة يتناول فيها “محمد مروة” جملة من القضايا الأدبية: مشكلة المضمون, في الأدب العربي المعاصر. نحو أدب جديد, واقعية الواقعية, علاقة السياسي بالأديب في المجتمع العربي. نظرية “رئيف خوري” الأدبية. وغيرها من الدراسات الهامة. (منشورات دار الفارابي).

·    بعد الظهر من يوم (1987-2-17), اقتحموا بيت حسين مروة- ذوو النزعة الطائفية المعادون لكل مشروع وحل وطني في لبنان- وأطلقوا رصاصة واحدة على رأسه اخترقت جمجمته, ففارق الحياة وهو في السابعة والسبعين من العمر(1).

ب: “حسين مروة” في حياته ونقده:

* ليس بوسع المرء حينما يفكر بشخصيات من طراز حسين مروة, الا ان يجد نفسه امام عوالم رحيبة خصيبة تحفزه بعمق وتواضع على التامل في اعقد المسائل الفكرية المنحدرة من التاريخ والتراث العربيين. (2)هذا امر تتضح صحته حالما نتقصى السيرة الذاتية لحسين مروة باوجهها الفكرية والعلمية والتطبيقية. فهذه تشير بوضوح لا لبس فيه الى شخصية المفكر المناضل, والمناضل المفكر.

* وحسين مروة شخصيته تأسرنا بجاذبيتها وعطفها وعقلها المتزن الواعي. شخصيته مسكونة بهموم شعبها, تطمح الى رفع الضيم عنه وزرع بذور اليقظة والتحرر في ربوعه(3).

* هو من مواليد العقد الاول من القرن الماضي, اي انه شهد انتفاضة العالم العربي الفكرية والسياسية والثقافية. شهد معاناة شعبه كما شهد سعيه نحو الحرية والاستقلال. عاصر ازمنة القهر والقمع والظلم, كما عايش الانتفاضات والثورات والتفتح. عاش زمن الردة, كما عاش زمن الصعود, فكان لكل ذلك تاثير في مسيرته العلمية والثقافية والفكرية, نظرية وممارسة, وكانت حصيلة ذلك كله بناء فكريا ادبيا تقدميا شامخا شاده حسين مروة مع اخوان له سلكوا مسلكه كرئيف خوري وعمر فاخوري ومحمود امين العالم وعبد العظيم انيس, فاتمّ هو المسلك وعمّقه وجذّره.

* عرفنا حسين مروة كاتبا سياسيا مناضلا واديبا مفكرا وانسانا, ولا يمكن التفريق بين شخصية حسين مروة كاديب وكسياسي وكانسان, فهو جماع ذلك كله. يلتقي فيه الكاتب السياسي بالاديب المفكر, بالانسان في وحدة يحكمها الالتحام في حياته بين الفكرة والعمل, بين نشاطه المادي ونشاطه الروحي(4). ومن هنا فان الكلام عن جانب واحد من جوانب هذه الشخصية الموسوعية, لا بد له ان يمس من قريب او من بعيد سائر الجوانب الاخرى في شخصيته المتكاملة.

* وكي يتسنى لنا الحديث عن حسين مروة, وكي نستطيع فهمه وتثمين دوره وما اعطاه, لا غنى لنا من ان نلم ولو يسيرا بالحياة التي عاشها, كي نكون منصفين في حقه. اذ ان اثمن ما اعطاه, واعظم ما الفه هو حياته في تناميها وتطورها, في نضاله وهو رب عائلة من اجل ان يعيش, في تغلبه على الظروف والمحيط, في سهره كي يشق طريقه وينفلت من عقال التقاليد, في سعيه المتواصل من اجل المعرفة والتحرر من ظروف الاستلاب الطبقي, في ادراكه لحركة تطور التاريخ واندفاعه للوقوف في خط سيرها الامامي.

* ولد حسين مروة ونشا في قرية نائية من قرى جبل “عامل” بجنوب لبنان, في اسرة دينية, وفي محيط يحكمه استبداد الاقطاعيين من الداخل, وحكم الاجنبي من الخارج. وحين شبّ التحق بجامعة النجف لدراسة اللاهوت الاسلامي. وهناك انصرف لطلب العلم وسط جو يصفه بالاحتباس والتزمت, وضيق الافق الثقافي, والعجز عن فهم المعرفة على حقيقة معناها وكما ينبغي لها ان ان تفهم. وكان لبعض كتاب تلك الفترة وشعرائها العصريين في مصر والعراق اثر في تفتيح عيني حسين مروة على حقيقة واقعه, فاخذ يقابل بين ما يكتبه هؤلاء العصريون من اراء وافكار حية متجددة وبين ما يمده به نظام الدراسة النجفي من تعاليم اقل ما تتصف به الانغلاق والتحجر والجمود والمراوحة ضمن الاطار السلفي بجوانبه النازعة الى الغيبية والمثالية والاتجاه الجبري والاقطاعي, والنظرة المنكفئة الى الوراء, فضاقت نفسه بهذا الجو الذي فرض عليه بسبب ظروفه, ووقع من جراء ذلك في دوامة الصراع داخل ذاته بين ان يذعن للنظام وتعليمات اهله, وبين ان يرفض هذا النظام ويجابهه ويخرق جدار التزمت الذي يحاصره ويخرج من قيده ويتخطاه متحررا من مفاهيم الفكر السائد فيه(5).

* من اجل ذلك عانى حسين مروة عذابا, عالجه بالصبر, الى ان نفد صبره, وقرر ان يضع حدا لهذه المعاناة, وهكذا كان, فكانت نقلته من النجف الى بغداد هي المنعطف لخط جديد من التطور في مسيرة حياته شعر على اثرها كانه انتقل من عالم الى عالم.

* في بغداد عمل في التدريس, ولكنه وهو يكدح لم يكن بمعزل عما كان يحدث في العراق بين قوى شعبه الوطنية والتقدمية والديمقراطية والنظام الرجعي الملكي وقادته واجهزتهم القمعية. وكانت البلاد العربية انذاك بين ريحين متعارضتين: ريح الاستقلال الوطني يظفر به شعب سورية ولبنان, وريح الامبريالية والصهيونية تستعد لاغتصاب فلسطين. فوقف حسين مروة بشرف الى جانب قوى التحرر, ووجد في الكتابة للصحف الوسيلة للتعبير عما كان يجيش في نفسه من حماس, فضاقت في كتاباته السلطات العراقية فارجعته قسرا الى لبنان, وكانت هذه العودة منعطفا جديدا اخر ولكن حاسما في تاريخ حياته نحو الانضمام لحزب الطبقة العاملة واتخاذ الماركسية موقفا فكريا له. واختتم عهد وبدا عهد(6).

* في لبنان اضيئت له الطريق. وادرك بهدي الفلسفة التي اعتنقها حقيقة التناقضات التي كانت تتصارع في مجتمعه واستوعب تحولات عصره وانحاز الى الجانب الثوري الذي تحويه هذه التحولات وجاهر بالوقوف الى جانب الاطوار الجديدة, مؤمنا بالنظرية القائلة ان التطور هو السمة الوحيدة لحركة التاريخ وليس هناك من تكوين جامد, بل كل شيء هو في تطور مستمر, والسعادة ممكنة على الارض, والناس هم صانعو القرار.

*منذ تلك الفترة اضاءت هذه الافكار اعماق كاتبنا وسرت في دمه وكيانه, واصبحت طريقته في التفكير, وتحولت من ثم الى نهج له في السلوك والممارسة, فحمل رايتها وخرج الى الساحات يناضل في سبيل العصر الذي سوف تتفجر شموسه يصرخ لتستيقظ امته من غفلتها, ان الفجر سيطلع وما من قوة ستمنع الثائرين من دك اسوار الحصون والقلاع ليمهدوا له طريق سطوعه(7).

* لاكثر من نصف قرن من الزمن وحسين مروة شاكي السلاح, يدافع في العقدين الاولين منه ضد المفتريات والاراجيف والضلالة, ويرسم في السنوات الثلاثين الاخيرة قبل اغتياله المستقبل, ويسهم في الاعداد للثورات المقبلة, يجاهد لينبت للوطن ربيع جديد.

* كان حسين مروة اذن نشيطا نشاط الحياة ذاتها, ولقد كانت حصيلة هذا النشاط مجموعة كتابات تتوزع بين ادب النضال السياسي, وكتابة النقد الادبي, ودراسة التراث الفكري العربي والاسلامي في حركة تطوره منذ الجاهلية حتى اليوم(8).

* هذه المقاربة مهما حاولت ستظل قاصرة لأن حياة وفكر حسين مروة يحتاجان الى الكثير. ولكن  جل ما تطمح اليه هو ان تكون في ذهن القاريء فكرة عامة عن دوره, وكي لا تتشظى ساسيجها بجانب واحد في رأيي هو الاهم في مسيرة عطاء مروة, وهو تتبع نقده الادبي, املا ان ارسم نهجه وان ابين دوره الريادي وان اجلو بعضا من ميزات نقده العميق الاصيل.

* في مجال النقد الادبي كتب حسين مروة صفحة جديدة في تراثنا النقدي المعاصر, وقد تبلورت نظريته النقدية في كتابيه: “قضايا ادبية” و “دراسات نقدية”, اللذين ناقش فيهما المستوى النظري والتطبيقي وكافة النقاط التي لا تزال تشغل جانبا مهما من تفكيرنا فيما يتعلق بنظرية الادب واصول علم الجمال.

الاول منهما كان حصيلة المعارك التي خاضها طوال الخمسينات مع اصحاب النزعات المثالية والرجعية في الادب, مع اصحاب نظرية الفن للفن, ويغلب عليه الجانب النظري للمنهج الواقعي في فهم الادب وتفسيره ونقده.

والثاني هو متابعة وتعميق للمعركة الادبية والايديولوجية نفسها في الجانب العملي التطبيقي لهذا المنهج, وذلك من خلال دراساته للعديد من الاثار الادبية الابداعية لشعراء وكتاب من لبنان ومن مختلف البلدان العربية(9).

*والمساءلة التي ترتفع, لماذا هذا الاهتمام بالنقد الادبي؟

الاجابة عن السؤال يعطيها حسين مروة نفسه حيث يقول:  من الظاهرات الملحوظة في حياتنا الادبية في لبنان, غياب وجه النقد عنها حتى وقتنا هذا ويتابع مفصلا: لا اعني بذلك ان ليس للنقد وجود في حركة النشاط الادبي عندنا, او ان وجوده لا يستوي مع سائر ظاهرات النشاط هذا…

بل ما اعنيه هو النقد  المنهجي    ويقصد بقوله: النقد المنهجي هو ما يكون مؤسسا على نظرية نقدية تعتمد اصولا معينة في فهم الادب, وفي اكتشاف القيم الجمالية والنفسية والفكرية والاجتماعية في العمل الادبي(10).

واعتماد هذه الاصول يقتضي من الناقد ان يتجهز كذلك بقدر من المعرفة تتصل بشؤون النفس الانسانية وقوانين تطور المجتمع وطبيعة العلاقة بين هذه وتلك, وفهم الشخصية الانسانية في ضوء هذه المعرفة بالاضافة الى الالمام-ضرورة- باهم قضايا العصر التي تساعد معرفتها الناقد على تحديد موقف العمل الادبي تجاه القضايا فكرية كانت ام اجتماعية ام فنية. وبدهي ان يكون في جملة الفصول التي تعتمدها المنهجية النقدية ثقافة وافرة راسخة تمكن الناقد من البصر بالخصائص التعبيرية بلغة الادب وبالعلاقات الرمزية القائمة بين الكلمة ومعناها او بين العبارة ومضمونها(11).

*ولكن سؤالاً آخر يرتفع، أليست هناك خطورة في إتباع منهج نقدي محدد؟ بمعنى ألا يؤدي التزام المنهجية في النقد الأدبي إلى نوع من الميكانيكية في عمل الناقد؟ أي أن الناقد الملتزم نهجا معينا لا بد أن يُخضع كل عمل فني أدبي ينقده إلى مقاييس ثابتة جامدة يرسمها له المنهج الذي يلتزمه، بحيث يقول في هذا العمل الأدبي ما يقوله في ذاك، بصور من التكرار الآلي الرّتيب فيتجمد النقد بذلك، وتتجمد شخصية الناقد وتتعطل عنده حساسية التذوق الجمالي ، وعندئذ تنشلّ حركة النقد الوظيفية وتنتفي منه الفائدة والغاية.

* عن هذا السؤال النابع من خطورة المنهجية في النقد يجيب “حسين مروة”، قائلا: الواقع ان مثل هذه الخطورة نابع من فهم خاطئ للمنهجية. فأول ما ينبغي ان يكون واضحا من امر المنهجية النقدية انها لا تستحق هذه الصفة، إذا هي قامت على اسس او على مقاييس ثابتة ثبوت جمود او تحجّر. وانما تستحقها – أي صفة المنهجية -، حين تكون الاسس والمقاييس هذه ثابتة من حيث الجوهر، متحركة متطورة متجددة متنوعة من حيث التطبيق ومراعاة الخصائص الذاتية القائمة في كل خلق بخصوصه، الى جانب الخصائص العامة المكتسبة من قوانين الحركة الشاملة المرافقة لكل عمل ادبي ذي قيمة فنية ما. من هنا يحتاج الناقد الادبي المنهجي الى توفّر الحساسية الذاتية القادرة على اكتشاف القيم الخاصة في كل أثر ادبي بذاته وبخصوصيته. وهذا يعني كما هو واضح أن المنهجية النقدية لا تقتصر على عدم انكار القيم الخاصة في العمل الادبي، بل هي ترى ضرورة وجود هذه القيم ما دامت الشخصية الانسانية ذاتها وبوجه عام متنوعة الخصائص متعددة الجوانب، بقدر تنوع الشخصيات وتعددها، ومن باب أولى ان يكون هذا التنوع والتعدد في ذات الاديب الفنان الخلاق، ولذلك ترى المنهجية النقدية ان كل عمل ادبي لا بد ان يحتوي نوعا من التجربة التي لا تتكرر عند فنان وفنان آخر، بل لا تتكرر حتى في عملين صادرين عن فنان واحد(12).

* مما تقدّم نرى ان “حسين مروة” يدعو الى نقد منهجي ملتزم يرتكز على قواعد وأصول ومقاييس ويحارب نوعية النقد الادبي الغالبة اليوم في العالم العربي والمتّسمة بالتأثرية، لأن النقد التأثري يفقد النقد وظيفته الأساسية كليا.
* فما هي وظيفة النقد في رأيه، اذن؟

ان وظيفة النقد هي تثقيف القارئ باعانته على تفهم الاعمال الادبية وكشف المغلق من مضامينها وادخاله الى مواطن اسرارها الجمالية، وارهاف ذوقه وحسه الجمالي، واغناء وجدانه ووعيه بالقدرة على استبطان التجارب والافكار والدلالات الاجتماعية والمواقف الانسانية التي يقفها الشاعر او الكاتب، خلال العمل الفني تجاه قضايا عصره او وطنه او مجتمعه، وبالمستوى نفسه هذا يستطيع النقد الموضوعي المنهجي ان يؤدي وظيفة بتبصير الكاتب او الشاعر بالقيم الحقيقية التي يحتويها عمله او يفتقدها ليكون على بيّنة مما يصنع ويخلق، او ليكون اكثر وعيا لما في موهبته وادواته ومواقفه من ممكنات او من نواقص او من اتجاهات سديدة او منحرفة، ذلك كله يعني ان النقد الموضوعي المنهجي يقوم بوظيفة مزدوجة تؤدي هي بدورها الى تطوير حركة النقد وحركة الادب وحركة الثقافة الوطنية جميعا.

تلك مهمة ثقيلة الاعباء ولكنها تمنح الناقد منزلة الانسان النافع في حقل المعرفة الجمالية الرفيعة.(13)

* هذه هي مهمة النقد المنهجي الموضوعي. في رأي “حسين مروة”، فعن أي منهج يتحدث، او بكلمات اخرى أي منهج هذا الذي يحمل مثل هذه المهمات والاعباء والهموم؟

انه المنهج الواقعي وبالتحديد المنهج الواقعي الجديد او الاشتراكي، ذلك المنهج المرتكز على علم الجمال الماركسي اللينيني.

وعماد نظرية هذا المذهب في النقد هو النظر الى العمل الادبي على انه تصوير للواقع، ولكن من خلال ذات الفنان وانفعاله به وتعاطفه معه وجدانيا. الواقع بحسب النظرية هو الموضوع او الحقيقة الموضوعية او المجتمع بمجمل ظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وعمل الاديب الخلاق هو في وعي الواقع وفي كيفية التعبير عنه تعبيرا يرتفع عن مستوى الانفعال الحسّي به الى مستوى الشاعرية التي تنفذ الى جوهره وتكشف عن صفاته الحقيقية المكونة لحركة تطوره وصيرورته وتصبح من ثم شكلا من اشكال العمل الفكري المعرفي الذي يتخذ الرؤى والصور اداته المعبّرة دون المقولات والمفاهيم، ويضيف به الاديب الى الواقع واقعا جديدا من صنعه، من صنع رؤيته الداخلية له، رؤية الوعي والخيال والوجدان معا التي تمتزج فيها الذات بالموضوع وتتحقق علاقة التأثير المتبادل بينهما.(14)

* ان “حسين مروة” في توضيحه الاسس النظرية للمذهب الواقعي في الادب على هذا النحو، وفي استخدامها في المجال التطبيقي بمنهجية متحررة هكذا من (الدوغماتية) ومن الفهم الميكانيكي لعلاقة الادب والفن بالعالم المادي، انما فعل ذلك وهو مدجج بسلاح الوعي الجمالي المعرفي البالغ الحساسية واليقظة، وبيقينية العالم الراسخ في العلم، الواثق من نفسه ومن ثبات نظريته التي اجتهد ان يجلوها في كتبه ودراساته فنفى مرارا ان تكون الواقعية وهي تحتفل بالواقع تنقله نقلا آليا وأكد دور الطاقات الذاتية للفرد في عملية الخلق الفني مقررا امكانية الكتابة عن الموضوع دون ان تضيع في حدود الذات، وبيّن ضرورة الفن كقيمة جمالية عليا وكعمل خلاق يخلق من الحدث الواقعي حدثا فنيا هو شيء آخر غير الواقع وان كان هذا الواقع منبعه وملهمه. وحذّر الذين يكتبون عن المجتمع كتابات واقعية ان تجيء كتاباتهم هذه على حساب فنية فنهم وأشار باستخفاف الى الذين يتصورون الواقعية عقلانية خالصة مفرغة من الابداع والخيال والوجدان الرومنسي حيث يقول: “ان الاستغناء في العمل الفني عن الخيال يبطله”.(15)

* هذه هي رؤية “حسين مروة” للواقعية في الادب وللمدرسة الواقعية في النقد، وربما سبقه اليها غيره من النقاد العرب الا ان اولئك كان احساس معظمهم احساسا ذاتيا اقرب الى الحدَس منه الى الوعي العلمي المتكامل الذي يتجلى في نقد “حسين مروة”. وهذا ما يجعل الدارسين يُعدون عمله في نقده الادبي من قبيل العمل التأسيسي لنقد ادبي جديد تقدمي فكري وايديولوجي في آن.

يقول الكاتب المعروف “حنا مينة” عن نقد “حسين مروة”: انه حين يتصدى “مروة” للنقد الادبي فإنه لا يتقحّم ميدانه ليقال عنه انه ناقد. لا يمتهن النقد كأداة تعبيرية تترجم عن ذاته فيما يريد ان يقول، متخذا من الذين ينتقدهم وسائل الى هذا القول. النقد، لديه عملية إبداع، كشف تقويم، ترشيد وتوجيه. وهو لا يأتي النقد قارئا للكتب، معرّفا بها، او متذوقا لها بمزاج شخصي، او متعصبا سلفا، او متزمتا، او متخبطا بين المدارس النقدية، وبين مناهج النقد، دون قدرة على امتلاك أي منها، وبغير اهلية لتطبيقه على الأثر المنقود. انه صاحب مهمة. يدرك ان مهمته جليلة وينهض بها. يعرف أن الثقافة الواسعة العميقة الشاملة، هي المؤهل الاساسي للناقد، فيتسلّح بثقافة.. لم تتوفر لناقد فرد من العرب الحديثين غيره.

ان امتلاك المفهوم الكامل، ثم معرفة التراث شعرا ونثرا، والتضلّع بالفكر العربي ومصادره ومدارسه، والالمام، الى درجة جيدة، بكل المدارس الادبية المعاصرة، والقدرة على رصد الفكرة، وتتبعها وردها الى منجمها، ومناقشتها، ثم هذه الذاكرة العجيبة، التي تسعفه في الشواهد، وهذه الموسوعة التي تمده بالمعرفة الضرورية حول أي موضوع دار الكلام عليه، والقدرة على الاحاطة، والبقاء في اطار البحث مهما اضطر الى الاستطراد، ان ذلك كله يجعل منه ناقدا جديرا بهذا الاسم، وخليقا بأن يكون صاحب منهج علمي، هو منهج الواقعية، الذي يهتدي به قارئا وناقدا ومفكرا وباحثا. وهذا المنهج كما يقول: هو الصحيح للنفاذ الى اساس الحركة الجوهرية لعملية الابداع الادبي والفني والفكري. وهو كذلك – لا يزال المنهج المتميز بالقدرة على اكتشاف كل عناصر الفعل المتبادل بين الوعي الاجتماعي والواقع الاجتماعي، ان هذه المميزات للمنهج الواقعي هي في اساس سيرورته واقتحامه معظم القلاع الباقية رهن سيطرة المذاهب النقدية التأثرية والميتافيزيقية.(16)

* هذه هي رؤية “حسين مروة” للنقد بشكل عام، وهذه هي مفاهيمه ومنطلقاته فكيف طبّقها في نقده؟ بمعنى ما هي خصائص نقده؟

اولا وقبل كل شيء، كان “حسين مروة” في نقده يؤمن بأن العمل الادبي لا يمكن ان يُسلخ عن الظروف المحيطة به. “ليس هناك فنّ يتخطى تاريخيته”(17) يقول. فقد آمن ان كل وجود فردي هو وجود طبقي اجتماعي. لا وجود للفرد خارج طبقته الاجتماعية التي ينتمي اليها بوضعيته المادية او بوعيه، لذلك فهناك علاقة بين الأثر الادبي والواقع الاجتماعي. (18)

ثانيا، آمن “حسين مروة” بأن العمل الادبي هو التحام الشكل والمضمون معا. بحيث تكون هناك علاقة قائمة بينهما، أي انه لم يكن يفصل بين الشكل والمضمون، فليس الشكل وحده معيار الحداثة، بل هو والمضمون الحديث معا. وحالات انفصام الشكل عن المضمون هي حالات الانقطاع بين الشاعر والحياة.(19)

ثالثا، كان “حسين مروة” يرفض الغموض، حيث يقول: اننا نرى الآن موجة خطيرة تجتاح ادبنا العربي الحديث ولا سيما الشعر منه، هي موجة الغموض. اننا نعدّ الغموض موجة خطيرة نعاديها ونكافحها حين يصبح الغموض غاية لذاته وإغرابا متقصدا. وحين يصبح لا غوْصا ولا رحيلا الى الاعماق والاسرار، بل هروبا من الغوص والرحيل وتهويما في الفراغ وايهاما بما لا وجود به.(20) وتقوده مشكلة الغموض الى قضية العلاقة بين الفن والجماهير، ويناقش عندئذ ادونيس في رأيه حول هذه القضية (21)، ليقول فيه: يكفي ان نقول انه بعيد عن معاييرنا في تحديد ما هو تقدمي في الادب.(22) رابعا، لقد كان الفكر النقدي عند “حسين مروة” عملية متنامية وقد تبدأ تسليما بمنطلق خاطئ لتصل منه الى نتائج سليمة، وهي خير من وضع الاساس النظري اولا ثم البناء عليه، وان كان الاساس النظري في الحالتين مستقرا ثابتا ابتداء لأن أي سؤال يطرح يؤدي بالباحث الى فرز الاشياء بحيث تقف الواقعية والاشتراكية وحدها في مواجهة كل شيء آخر، وتتسم هذه الطريقة بالكشف المتدرج وتتغلغل في تدرجها الى دقائق هامة لم تكن لتتكشّف لولاها.(23)

خامسا، في نقده بحث “حسين مروة” عن الانساني وعن الفردي وميّز بينهما، فقبل الاول ورفض الثاني، لأنه رأى في الاول عنصرا من عناصر خلود الأثر، ورأى في الثاني عنصرا من عناصر ضعفه ومحدوديته وهذا العنصر: عنصر الانساني مقابل الفردي، معيار نقدي اساسي في منهجه يعتمده في تقويم الأثر الادبي ويرى اليه به. لذلك رفض “حسين مروة” من منطلق منهجه كل عمل ادبي عدميّ ومجرّد ومطلق، أي أنه رفض كل ما هو مثالي في هذا الحضور المادي للواقع وما يغيّب حقيقته.(24)

* هكذا رأينا مما تقدم ان “حسين مروة” ناضل من اجل نقد موضوعي منهجي فكرا وممارسة، نظرية وتطبيقا. فكان علم الجمال الماركسي رائده والواقعية الجديدة منهجه، ومن يسترشد بهما لن يضلّ، وهكذا ما ضل ابو نزار في فكره ولا وهن في ممارساته، وأكبر دليل على ذلك استشهاده بأيدي الغادرين عام 1987.

------------

- الإحالات:

1. محمد دكروب، شخصيات وادوار في الثقافة العربية الحديثة، مؤسسة الابحاث العربية، بيروت، 1987

2. طيّب تيزيني: حسين مروة، مقال: حسين مروة مفكرا مبدعا، دار الفارابي، بيروت، 1981. ص31

3. احمد أبو سعد: حسين مروة، مقال: حسين مروة المنهج والطريق. ص 97

4. ن.م. ص98

5. ن.م ص100 وراجع دكروب ص 20 وما بعدها

6. ن.م. ص100 وما بعدها وكذلك دكروب ص 21

7. ن.م. ص101 وكذلك ركروب ص 21

8. عن نضاله السياسي راجع مهدي عامل، كتاب حسين مروة شهادة في فكره ونضاله، دار الفارابي، بيروت، 1981 ص 37، ومحمد دكروب ص 153 عن نقده راجع يمنى العيد ص 111، واحسان عباس ص 61. عن دراسة التراث عند حسين مروة، راجع محمود امين العالم ص 13، وطيب تيزيني ص 31، وكذلك راجع مجلة ادب ونقد عدد (31) (1987)، مقال محمود اسماعيل ص 18 وما بعدها.

9. ابو سعد، ص 104

10. حسين مروة، دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي، مكتبة المعارف، بيروت، 1972، ص 5

11. ن.م. ص

12. ن.م. ص 7 – ص 8

13. ن.م، ص 8 – ص 9

14. ابو سعد، ص 104

15. ن.م. ص 105

16.  حنا مينة، ادب ونقد، مقال، من يرسم الطيبة، عدد 31، 1987 ص 31 – ص32

17. حسين مروة: دراسات نقدية، ص 279. مصدر سابق

18. يمنى العيد: حسين مروة، مقال: حسين مروة والمنهج الواقعي في النقد الادبي، مصدر سابق، ص 118

19. احسان عباس: حسين مروة: مقال: النقد عند حسين مروة: بين المنهج والتطبيق، مصدر سابق، ص 70

20.  حسين مروة: دراسات نقدية، ص 250، مصدر سابق

21. عباس، ص 68، مصدر سابق

22. مروة، دراسات نقدية، ص 250، مصدر سابق

23.  عباس، ص 68، مصدر سابق

24. يمنى العيد، ص 115، مصدر سابق

 

 

2/22/2010