מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

يهودي مصري يضيف وجها آخر لمدينة العالم

وجه آخر للإسكندرية نشاهده هنا. في هذا التحقيق الصحفي، المنشور بصحيفة هاآرتس (تل أبيب, 14.4.1995)، يحكي لنا الصحفي الإسرائيلي من أصل مصري د. يوسف الغازي عن مدينة الإسكندرية التي ولد بها. ليس فقط عنها، بل عن الإسكندرية التي زارها في شهر إبريل-نيسان 1995 بعد انقطاع كل تلك السنوات، في منتصف الخمسينات، يحكي ذكرياته عن أجانبها، ويهودها بالتحديد، وعن مشاعره إزاء التغيرات التي عصفت بكل ركن من أركانها، إنه ملمح أخرى للمدينة التي لم تكشف عن كل ملامحها بعد. نص مدجج بالمناطق الشائكة، هل هو الحنين فحسب الذي دفع الغازي لكتابة نصه؟ أم هو تعالي الأجنبي على ابن البلد والذي يدفعه للتأكيد في فقرات كثيرة على إنجازات الأجانب في تعمير المدينة، والتي ضاعت بمجرد هجرتهم؟ أم هو وصف لمصر الكوزموبوليتانية التي كانت تحتمل كل هذه الأعراق والجنسيات واللغات ولم تعد قائمة الآن؟  نائل الطوخي

 

مرحبا يا إسكندرية، إلى اللقاء

بقلم: د. يوسف الغازي

ترجمة: نائل الطوخي

 لورنسو مونتزيني  ((Lorenzo Montesini، رجل طيران، أديب وصحفي أحياناً، يقيم منذ سنوات كثيرة في سيدني بأستراليا. في منتصف الشهر الماضي، وبالصدفة البحتة، التقينا بالإسكندرية، المدينة التي ولدنا فيها نحن الاثنين. يحكي: "ليست هذه هي زيارتي الأولى للمدينة منذ أن غادرتها قبل 36 عاما، عندما كنت في سن الثالثة عشر. هذه المرة، جئت لتنفيذ وصية أبي، والذي مات في أكتوبر الماضي في سيدني عن عمر 92. قبل موته، في حوار بدأه هو، عبر عن أمنيته، أن يعود بعد موته إلى المكان الذي كان فيه أكثر راحة في حياته. من خلال كلماته، كان واضحا بشدة أنه يعني هذه المدينة، الإسكندرية. وفعلا، هذه المرة جلبت رماده، والذي أنوي نثره في ظهيرة اليوم على البحر، أمام شاطئ سان استيفانو، حيث قضى هو وأبناء العائلة، أياما رائعة في حياتنا."

الأب، إدوار مونتزيني، (Edouard Montesini), ابن لعائلة إيطالية فرنسية، ولد عام 1901 في الإسكندرية. كان يمثل الجيل الخامس في مصر لأبناء عائلته، والذين عاشوا هنا منذ بداية القرن الماضي. عمل مفتشا في شركة المياه البلدية عندما كانت شركة خاصة. في 1940 تزوج إدوار أنطاونيت ماري (Antoinette-Marie)، وهي ابنة عائلة جوستينياني المسيحية (Justiniani)، وهي عائلة عاشت على مدار الأجيال في أماكن مختلفة بالإمبراطورية العثمانية، ولدى انتهاء الحرب العالمية الأولى أقامت في مصر. عندما تزوجا، كان إدوار يبلغ 39 عاما وأنطوانيت ماري كانت تبلغ 18 عاماً.

ولد لورنسو عام 1946، وعاش مع والديه في شارع فؤاد الأول، بإحدى الأحياء الأوروبية النشطة في الإسكندرية. أما جدته من ناحية أمه، آن (Anne) والتي كانت زوجة لابن عائلة مصرية أرستقراطية، فلقد كانت تعيش في ضاحية أخرى راقية، زيزينيا (Zizinya). درس في مدرسة راهبات دي بيزانسون (Sœurs de Besançon)، ثم انتقل للمدرسة النخبوية سان مارك (Saint Marc)، واستطاع الدراسة أيضا في فيكتوريا كوليج، (Victoria College)، والتي درس فيها أبناء النخبة السكندرية. في بيت مونتزيني كان الحديث في الغالب يتم بالفرنسية، ولكن كانت ثمة لغات أخرى، إيطالية ويونانية وإنجليزية. بصعوبة كانوا يتحدثون العربية، واليوم يجد لورنسو صعوبة في متابعة حوار يتم بهذه اللغة.

في عام 1956 غادر الأب، إدوار مونتزيني، مصر، منتقلا إلى أستراليا. في أعقاب حرب السويس، والمحاولة البريطانية الفرنسية لاحتلال منطقة قناة السويس، تم إدراج العائلة في قائمة الرعايا الأجانب الذين قررت السلطات طردهم من مصر. وبمساعدة أصدقاء في الحكومة، نجحوا مرة بعد الأخرى في تأجيل طردهم، ظلت الأم وابنها في مصر سنتين ونصف، ولم يغادراها إلا في 1959. يتذكر لورنزو: "في اللحظات الأخيرة باعت أمي، ممتلكات العائلة بملاليم. والجواهر التي كانت تتقلدها تم أخذها منها لدى خروجها." من الإسكندرية سافر الاثنان إلى بيروت بلبنان، والتي عاشا فيها لفترة قصيرة، ومنها هاجرا إلى أستراليا.

بعد وصولها لأستراليا بحوالي خمسة أشهر قامت الأم، أنطوانيت ماري، بمحاولتين لإنهاء حياتها. "شعرت أمي أن حياتها في أستراليا ليست حياة. بالإضافة لحنينها للإسكندرية، اتضح أيضا، أنه في هذين العامين ونصف اللذين افترقت فيهما عن أبي، هو في أستراليا ونحن في مصر، أحبت أمي رجلا مصريا تعرفت عليه، وهو طبيب شهير في الإسكندرية. بعد مصاعب ونقلات كثيرة نجحت أمي في العودة لمصر، تزوجت هذا الطبيب الذي أحبته وعاشت في الإسكندرية حتى يومها الأخير. ماتت قبل حوالي ثماني سنوات. هي مدفونة في المدافن اللاتينية بالمدينة."

في سيدني واصل لورنسو دراسته "حتى داهمتني"، كما يقول، "غريزة المغامرات، والتي أدت بي إلى تزوير سني في بطاقة الهوية. وهكذا، قبل ميعاد التجنيد الرسمي بسنتين تقريبا، تم تجنيدي في الجيش، بل وخدمت على مدار عام كجندي في الوحدة الأسترالية بفيتنام". عندما ترك فيتنام وتم تسريحه من الجيش، زار لورنسو الإسكندرية، للمرة الأولى بعد مغادرة مصر. منذ ذلك الحين تمكن من زيارة مدينة مسقط رأسه عدة مرات. "تعودت على المجيء لزيارة أمي. وبخلاف هذا، فلقد انجذبت لهذه المدينة بسبب الذكريات القوية التي أحملها معي حتى اليوم. برغم الإحباطات التي أمنى بها في كل زيارة أقوم بها للإسكندرية، فأنا مرتبط بهذه المدينة: أحن إليها منذ أن تقلع بي الطائرة التي تأخذني من هنا."

رافقت لورنسو مونتزيتي عندما قام بتحقيق وصية أبيه ونثر رماده في البحر على شاطئ سان استيفانو San Stefano. لفترة طويلة تمشينا على الشاطئ والمنتزه، بين أماكن الاستجمام والاصطياف الناجية برغم الإهمال والصدأ الذي ظهر على مدار السنوات، وحكى لي لورنسو عن تجارب طفولته في فترة الأجازة الصيفية، برفقة الأطفال وآبائهم، مصريين أرستقراطيين وأوروبيين أثرياء.

حتى قبل 40 عاما لم تكن عائلة لورنسو مونتزيني ظاهرة نادرة في الإسكندرية. عشية الحرب العالمية الثانية كان "الأجانب" يشكلون ما يزيد عن ثلث سكان المدينة. منذ العصور القديمة كان يعيش في المدينة أبناء طوائف مختلفة، في العصر الحديث، والذي بدأ منذ بداية القرن الماضي، بعد اعتلاء عائلة محمد علي للسلطة في مصر، أخذ عدد الأجانب الساكنين في المدينة يزداد. على مدار حوالي 150 عاما شكلت المدينة فسيفساء إنسانية كوزموبوليتانية من أبناء الأديان والشعوب المختلفة، عربا مسلمين ومسيحيين، إيطاليين، فرنسيين، مالطيين، يونانيين، أرمن، ويهودا بالطبع.

حتى اليوم، برغم الإهمال الخادش للبصر، لا يمكن محو أو إلغاء الصبغة التي تركها الأجانب في أعقابهم، في مشاريع إعمار وبناء المدينة. لقد قاموا أيضا بأعمال جيدة، حدث بعضها في أعقاب الازدهار الاقتصادي الذي أنتجه فرع القطن، وتحويل الإمبراطورية البريطانية مدينة الإسكندرية إلى قاعدتها الاستراتيجية بحوض البحر المتوسط بالحربين العالميتين.

إذا كانت الإسكندرية في نظر كثير من الأجانب هي "الأرض الموعودة"، "أميركا" الشرق الأوسط، فبالنسبة لآخرين، من لاجئي الحروب والاضطهاد بأنواعه، كانت هي المدينة التي منحتهم ملجئا وحماية. ظلت المدافن المسيحية واليهودية في حي الشاطبي (Chatbi), ، بالكتابات المدونة على الشهود بالعبرية والفرنسية واليونانية والإيطالية، شاهدا أخرس على تلك الإسكندرية التي لم تعد موجودة.

حتى اليوم تجد العلوم الاجتماعية صعوبة في إيجاد توصيف واسم ملائمين لعشرات الآلاف من البشر الذين عاشوا في مصر وأطلق عليهم لسبب ما "الأجانب". وأطلق عليهم أبناء الشعب "الخواجات"، لتمييزهم عن "المصريين". عندما يطلقون عليهم اسم "لفانيتيين"[1] Levantins، فإن نبرة تعميمية ومتعالية ستبدو واضحة في آذان البعض. كان من بينهم عائلات لم يعرفوا لعقود عديدة وطنا آخر. حتى هؤلاء الذين أقاموا بالمدينة في العقود الأخيرة تعاملوا مع مصر، والإسكندرية بشكل خاص، باعتبارها وطنهم الجديد الذي تبناهم ومنحهم الحب. كثيرون منهم كانوا يعيشون في أحياء منفصلة، ولكن الفقراء كانوا يقيمون في الأحياء الفقيرة مع العرب من أبناء نفس الطبقة الاقتصادية. على مدار سنوات كانوا يستمتعون بحقوق إضافية حصلت لهم عليها القوى الأوروبية العظمى، وبالتحديد الإمبراطورية البريطانية، ولكن منذ  نهاية الثلاثينيات فصاعدا تم إلغاء هذه الحقوق بالتدريج.

عندما وصلت إلى ذروتها المواجهة بين مصر الجمهورية التي تلت ثورة يوليو 1952 وبين القوى الغربية العظمى الغربية – بالتحديد في 1956-1957، بعد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي، الذي قامت به إسرائيل وبريطانيا وفرنسا، قام الأجانب بدفع الثمن كاملا. ليس فقط أنه تم طردهم من المكانة العليا في الإدارة والاقتصاد، وإنما تم طردهم من مصر أيضا، حتى آخر شخص فيهم تقريبا.

علاقة العرب بالخواجات كانت ذات وجهين. كان العرب يقدرون بشكل جيد إسهام الأجانب في الإسكندرية، ولكنهم كانوا غاضبين من وضعهم الامتيازي. هذا التوتر تسلل أيضا بين سطور الرومانيين السكندريين الذين قاموا بوصف المدينة الكوزموبوليتانية. الأديبة الإيطالية فاوستا تشيالنته Fausta Cialente) – 1898-1994)، والتي عاشت بين الحربين العالميتين في الإسكندرية وعرفت بنشاطها المعادية للفاشية، أوردت على لسان ماتيو، وهو واحد من أبطال روايتها "كورتيلا وكليوباترا"، توبيخا يقوله ضد الأجانب:

"تحاولون العيش كأنكم لا ترون شيئا لأن هذا في صالحكم. صح؟ ولكن سيأتي يوم وسوف تتغير الأحوال، وسوف ينتهي هذا، وغضب البؤساء سوف يتوجه ضدكم جميعا، لا يفرق إن كنتم يهودا أو أجانب.. صحيح أنكم لستم "المسئولين" عن الوضع.. ولكنكم أيضا، لديكم شيء ما في ضميركم.. ولو بسبب عادتكم في تسمية المصريين "أولاد البلد"، صح؟ وأنتم ضيوف هؤلاء "أولاد البلد"، لأنكم تعيشون لديهم بل وقد أثريتم لديهم.. هم يسمون أنفسهم يونانيين، سويسريين، فرنسيين، أرمنا، في الواقع، عندما يتحدثون عن مصر وعن المصريين، فهم لا يمثلون أمة، وإنما طبقة فحسب.. مصر، هي الفلاح! هو، بحماره وحزمة برسيمه ،  هذا الشخص الذي كان من قبل ألفي عام. ولم يقم أي شخص بأي شيء من أجله منذ ألفي عام. يبدو أن الأوبئة والجوع قد تم اختراعهم بالتحديد من أجله! وعندما يتقاطع طريق سيارة الباشا والفلاح بحماره في الشارع، فهما لا يريان بعضهما البعض. هذا غير مفهوم. صح؟ عالمان لا يتصلان ببعضهما ولا يلتقيا أبدا."

بعد خروج "الأجانب" من مصر بأربعين عاما، يمكننا حتى اليوم أن نجد بين مجموعات السائحين القليلة التي تزور مصر، والإسكندرية بالتحديد، البعض ممن على شاكلة لورنسو مونتزيني ومثلي ممن ولدوا وعاشوا منذ سنوات في الإسكندرية، يذكرون لها روعة الصبا، يشعرون بالحنين لها، يتحدثون عنها بنوستالجيا وحب، ويتألمون من الطرد (لأجل الحقيقة، باستثناء أخي الأكبر الذي ظل في مصر حتى 1956، فلم يتم طرد أحد من أهلي). كثيرون من هؤلاء السائحين يقيمون في فندق "سيسيل" (Cecil) التاريخي، والذي قام الأديب لورنس داريل (Lawrence Durrel) بتخليده في "رباعية الإسكندرية" الشهيرة التي كتبها، جوستين، ماونتليف، بلتازار، كليا، (The Alexandria Quartet, Justine, Balthazar, Mountolive, Clea). يجولون كأنهم حجاج في الأماكن التي تتضمن ذكرياتهم. يسعدون جدا عندما يعثرون عليها، ولكنهم يحبطون جدا عندما يكتشفون أن هذه الأماكن لم تعد قائمة، أو أنها مهملة، خالية، أو خربة.

عن طريق الكلام، وبواسطة عشرات الدعوات التي يتم توزيعها بين الأصدقاء، عرفنا أنه في المعهد الإيطالي دانتي أليجييري (Dante Alighieri) سوف يلقي د. محمد عوض الأستاذ بكلية العمارة بجامعة الإسكندرية محاضرة بالإنجليزية. موضوع المحاضرة هو "التأثير الإيطالي على المعمار في الإسكندرية الحديثة." قبل بدء المحاضرة بحوالي ساعة أخذ يتجمع حوالي 150 شخصا، من كبار السن في الأغلب، وأغلبهم كانوا يتحادثون بالفرنسية، هذه الـ Lingua Franca (اللغة الأفرنجية) التي كانت ذات يوم في الإسكندرية وفي كل شرق حوض البحر المتوسط، والقليل يتحدث بالإنجليزية. تصدر من ملابس بعض القادمين رائحة النفتالين. الشباب القلائل بين الجمهور كانوا طلبة مصريين يدرسون المعمار، وهم أيضا كانوا يتبادلون الحديث بلغات أجنبية.

لدى الدخول إلى المعهد استقبلتني امرأة في منتصف العمر، سألتني بالفرنسية، "هل أنت واحد مننا؟" وعندما لاحظت أنني لم أفهم ما تقصده بالضبط أضافت "أنا نصف يهودية، عائلة أمي اسمها مندل، وهم يهود من أصل نمساوي، إشكنازي في الغالب. أعيش بكل تفاصيلي كمصرية."

لم يقل د. عوض أي شيء جديد في محاضرته ولم يضف شيئا لم أكن أعرفه: المعماريون والفنانون والمهنيون الذين جاءوا من إيطالية قاموا في الإسكندرية ببناء قصور بلا عدد، مبان عامة، بيوت للسكنى، بل ومساجد. من بين ما قاله، أشار د. عوض إلى حقيقة أنه في حي الأنفوشي على الميناء الشرقي هناك أحد أجمل مساجد المدينة، مسجد سيدي المرسي أبو العباس، والذي خطط بناءه معماري إيطالي. في الإسكندرية يعيش إيطاليون حقيقيون و"إيطاليون بحسب جواز السفر". الفريق الأخير هم أشخاص، ومنهم يهود كثيرون، استغلوا حقيقة أن سجل سكان مدينة ليفورنو قد احترق كي يتم تسجيلهم في القنصلية الإيطالية باعتبارهم مواطنين من أصول إيطالية.

اختلف نظام حياة الإيطاليين في الإسكندرية مع اعتلاء موسوليني والفاشيين لسدة الحكم في إيطاليا. بعد سن قانون العرق في إيطاليا عام 1938 تصارع في الإسكندرية الفاشيون والإيطاليون المعادون للفاشية، ودعا اليهود أصحاب المطاعم لعدم تقديم المزيد من "مكرونة الشوتا" Pasta asciutta))، وهي الوجبة الإيطالية الوطنية. على ما يبدو أن هذه الدعوة للمقاطعة لم تتم الاستجابة لها، لأنه مازال بإمكانك إلى اليوم أن تتناول حتى في المطاعم الشعبية السكندرية معجنات من المكرونة واللحم، مخبوزة في الفرن. وكما أنه ليس هناك شاب سكندري اليوم لا يعرف أنه ذات يوم كان هناك سوق إيطالي وسوق فرنسي، فهم أيضا لا يعرفون أنه في أشهر الخريف كان الباعة الجائلون ينادون على طيورهم باسمها الإيطالي "كواليا" quaglia، وليس "السمان"، كما هو بالعربية.

لدى خروجنا من المحاضرة في معهد دانتي أليجييري اقترب مني شخص، قدم نفسه بوصفه مصريا من أصل يوناني أرثوذكسي. تحدث بإنجليزية سلسة عن "الوضع المذل الذي يسود مدافن المسيحيين". وفق كلامه "تحدث بها أعمال همجية وسرقة." قال أن لصوصا، بمساعدة الحراس – سواء بشكل فاعل أو بالتواطئ – يهجمون في الليل على المدافن ويسرقون التماثيل والشهود العاجية. كان محاوري يرتعش لأنه وفق كلامه فـ"السلطات تعرف جيدا ما يحدث ولا تتخذ أية خطوات قوية وفعالة لأجل وضع حد لهذه البربرية الثقافية، التي توشك على إنهاء أي أثر للطوائف المسيحية التي عاشت على مدار أجيال في الإسكندرية." بعد هذا عرفت، أن لصوص القبور يسرقون أيضا الشواهد العاجية في المدافن اليهودية، بالشاطبي والمزريطة (Mazarita).[2]

من الطوائف اليونانية الكبرى في الإسكندرية، ويبلغ تعدادهم حوالي مئة ألف يسكنون أحياء بأكملها مثل العطارين أو الإبراهيمية – لم يتبق إلا عدة مئات، وتبقت كذلك أسماء عدة مطاعم، حانات ، ومخابز شهيرة مثل "لورنتوس"، "كليتيا"، "إثيانوس"، "باستروديس" و"زفيريون" (Délices, Athinéos, Pastroudis, Lourantos, Kalithéa, Zephirion). فقط في "إيليت" تواصل مدام كريستينا كونستنتينو  (Christina (Kostantin، إدارة مطعمها. مع السنوات، تسببت قلة عدد الزبائن اليونانيين في أنه لم يعد هناك إلا قسم يوناني صغير في قائمة المطعم. في الخلفية، يتم التبديل بين موسيقى البوب مع أنغام البزق، وبجانب بورتريهات الشاعر اليوناني السكندري كفافيس، هناك نسخ من أعمال ماتيس وبيكاسو. علت ابتسامة متسامحة على وجه أحد المستمعين لدى حديث مدام كريستينا العجوز، عندما قدمت نفسها باعتبارها "رئيس منظمة المشاهدات والمشاهدين". لقد نسيت الإشارة إلى ما تبقى منها.

 

 

الكورنيش - البلاج على شاطئ الاسكندرية _ أخذ المنظر من موقع مهاجري الاسكندرية المنتشرين  في مختلف انحاء العالم ، www.aaha.ch وهو موقع ننصح  بتصفحه أيضا لمن لا يعرفون الفرنسية ، هذه الجمعية العاشقة للإسكندرية تحافظ على طابعها  الكوسموبوليطي ، ويوجد لها فروع في مختلف انحاء العالم .

*

عندما يتساءل المصريون، أين يمكن الالتقاء بيونانيين في المدينة، يتوجهون إلى مدام كريستينا وليس إلي البطريركية اليونانية الأرثوذكسية، والتي تضج دائما بالبشر غير بعيد من إيليت. في يوم الأحد قبل الظهيرة، وفي الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية الصغيرة بجانب مبنى البطريركية المهجور في كل أيام الأسبوع، تبدا الصلوات بمصلين سبع، خمسة نساء، القص فاسيليس كابيتانكيس (Vasili Kapitankis) ومساعده. الأخير مع اثنتين من المصليات يشكلون الجوقة. صلاة الـ"كيرياليسون"، يتم سماعها بصعوبة، أتذكر أنغام الأغاني الكنسية التي كانت ترددها الجوقات الرائعة في الكنيسة اليونانية، والتي كانت جاراتنا اليونانيات من عائلة كوندوريس معتادات على اصطحابي لها معهن في أيام عيد الميلاد، ورأس السنة وعيد الفصح.

في ذروة الصلاة وصل عدد المصلين إلى 11، وأغلبهم من النساء. عندما سألت بعد هذا إحداهن عن السبب الذي بدت به حركة التصليب التي تقوم بها هي وعدد من صاحباتها كحركة يد صغيرة على بطنها، أجابت بابتسامة خفيفة وخجول: "هذه حركة تعودنا عليها في الأيام التي كنا نخفي فيها كوننا يونانيين ومسيحيين."

يرجع أصل القس فاسيليس كابيتانكيس، ويبلغ من العمر 68 عاما، إلى مدينة هركليون بجزيرة كريت. يعيش في مصر منذ ما يقرب من خمسين عاما، ولكن حتى اليوم تبدو العربية التي يتحدثها مثيرة للسخرية. على مدار سنوات كان يعمل شماسا في الكنيسة، حتى صعد إلى مرتبة القسيس. برغم أن أهله قد تفرقوا "هم يعيشون في أثينا وبيرياوس وأستراليا"، فهو لا ينوي الهجرة من هنا. "تعودت على المكان. حتى إن كان هذا المكان يحزنني أحيانا، فلن أغادر. بالنسبة لي فإن الإسكندرية، بالرغم أنه لا يعيش فيها الآن إلا قلة من اليونانيين، سوف تظل دائما جزءا من الوطن الأم، اليونان. أنا أحبها. القدر قرر أن هنا بيتي، وهنا سوف يكون قبري أيضا."

في شارع سعد زغلول الذي يصطخب بالبشر يمتلك آرا خاتشودريان ((Hatchadorian محلا صغيرة لبيع بطاقات المعايدة، شرائح وأفلام للكاميرات. كان يقف خارج المحل عندما رآني برفقة لورنسو مونتزيني، نبحث عن محل لأدوات التصوير. بدون بروتوكولات زائدة عن الحاجة بدأ معنا في الحديث بالفرنسية، كأننا أصدقاءه من الأزل. أدخلنا إلى محله وحكى لنا قصة حياته.

خاتشودريان هو شخص أرمني- كان بإمكاننا تخمين هذا من اسم عائلته – ولد قبل 84 عاما في بلدة صغيرة بأسيا الصغرى. استعاد تاريخه: "كل شيء هو معجزة. معجزة هي كوني حيا، ومعجزة هي أن  إخوتي على قيد الحياة. ومعجزة هي أن أبي قد نجح في تهريبنا من الجحيم والإتيان بنا أحياء إلى هنا. ومثل أرمن كثيرين وجدنا هنا، في الإسكندرية، ملجأ. ذات يوم كنا أرمناً كثيرين. بعد الحرب العالمية الثانية استجاب كثير من الأرمن في الإسكندرية لغواية أرمينيا السوفيتية. ومع السنوات سافر آخرون إلى أماكن أخرى في العالم. الشتات الأرميني موزع في جهات الأرض الأربع. أنا بقيت هنا. وحتى هذه معجزة كبرى. وبقاء أرمن في العالم، هو أيضا معجزة كبرى."

سرد خاتشودريان بنوستالجيا عن الأيام التي أقام وأدار فيها أوركسترا وجوقة، نجحت في إنتاج الموشح الديني "المسيح" لهاندل. أما هو نفسه فكان يعزف على العود. أخوه يروفانت (Yerovant)، الذي يعيش في الإسكندرية، يعزف على التشيلو، أما الأخ الآخر، زفون (Zevon)، والمعلقة صورته على حائط المحل، فهو عازف بيانو في الولايات المتحدة. يتحدث خاتشودريان مع زبائنه بالعربية، عربية الخواجات، التي تبدو مضحكة في آذان المصريين، وبالتحديد عندما يتحدثها اليونانيون. حتى بعد سبعين عاما من الحياة في الإسكندرية، ينطق خاتشودريان الحرف الحلقي "الحاء"، كأنه "خاء"، وبالعربية ثمة كلمات يتغير معناها تماماعندما يتم استبدال هذين الحرفين.

عشية سفري من الإسكندرية إلى القاهرة ذهبت لتوديع خاتشودريان. سلم علي بيديه بدفء وغمغم: "لكم أيضا حدثت معجزة. اصمدوا!" في هذه اللحظة فحسب استوعبت أنها المرة الأولى التي يتطرق فيها لكوني يهودياً.

في الإسكندرية يعيش أقباط كثيرون، مصريون مسيحيون، يشكلون أكثر من 10% من تعداد المصريين. في السنوات الأخيرة، وفي أعقاب المذابح التي قام بها متعصبون مسلمون ضد الأقباط في الصعيد، يحافظ الأقباط على مظهر مسيحي أقل من المعتاد. تقع الكنيسة المرقسية لصق البطريركية القبطية بوسط المدينة. يذكرني الوصول هناك في ظهيرة يوم الأحد بالطريق للمعابد اليهودية بعد حرب 1948، في أيام السبت والأعياد اليهودية. رجال أمن ببزات وملابس مدنية يظهرون في كل زاوية. يفتحون أعينهم خوفا من اقتراب عنصر غير مرغوب فيه للمكان وحتى لا يتم إقلاق، والعياذ بالله، يوم الأحد بالنسبة للمؤمنين الأقباط.

ذهبت مبكرا صباح يوم السبت لمعبد النبي إلياهو، وهو الوحيد الذي لا يزال مفتوحا في المدينة. البوابة الرئيسية، باتجاه شارع النبي دانيال، مغلقة. بجانب البوابة الجانبية كان يقف رجال أمن مسلحون، كأنهم لم يتحركوا من المكان منذ 1948. في هذا المعبد، والذي كان في أيام عزه وعز الطائفة اليهودية بالأسكندرية مكتظا أيام السبت والأعياد وأيام حفلات الزفاف – كان يصلي قبل عدة أسابيع، في هدوء، كأنهما منطويون بداخل أنفسهم، أربعة أشخاص فحسب. لم يسهم وجودي، ولو كيهودي ملحد، في إكمال عدد المصلين. قيل لي في مكاتب لجان الطائفة اليهودية أنه "فقط في الفصح وأيام رأس السنة يجتمع النصاب المفروض في المعبد."

في تاريخ الطائفة اليهودية بالإسكندرية عرفت بعض المعابد باسم النبي إلياهو. هذا الذي مازال قائما حتى اليوم، تم بنائه في منتصف القرن الماضي بتشجيع من الحاكم محمد علي. إنه مبنى واسع، مرتفع جدا وقائم على أعمدة من رخام كرارة. حتى عندما لا يكون النجف العملاق مضاء، يضاء بهوه بنور أشعة الشمس التي تتسلل من النوافذ الزجاجية متعددة الألوان. في الطابق العلوي يوجد "عزرات ناشيم"[3] وركن الجوقة، والتي يقودها واحد من كبار الموسيقيين اليهود في عصرنا، ألبرتو حمصي ((Albert Hemsi، والذي مات قبل عدة سنوات في باريس. بعين خيالي لا أزال أرى العصي الصغيرة التي كان يمسك بها أمام الفرقة، والتي اعتاد على قذفها باتجاه أي حقير يثير شكه في كونه نام أثناء الوقوف.

رواق كبير مرصوف بالبلاط الرخامي يقودنا إلى الأبواب الخشبية للمعبد. تعلن السلطات المصرية عنه باعتباره أثرا تاريخيا. من حول الفناء هناك كتلتان من البيوت تقوم الطائفة اليوم بتأجيرها للسكان الذين يستطيعون دفع الإيجار. في الفناء ثمة حنفية مياة وأعمدة المظلات التي يتم نصبها في عيد السوكوت. في قلب المعبد توجد حتى الآن مكاتب الطائفة. وعندما لا يوجد حاخام، قضاة, ذابح أو خاتن، يتم تعليق جميع الخدمات الطائفية. لصق بالمعبد، ولصق مباني مدرسة أجيون( (Aghion، هناك مدرسة حكومية مصرية. لم تتبق إلا الذكريات من نادي "مكابي الإسكندرية"، القريب.

منذ العصور القديمة، عاش اليهود دوما في الإسكندرية. في باب السوكوت بالتلمود يمكننا القراءة عن روعة المعبد في المدينة. وفي القرن الأول للميلاد عاش فيها الفيلسوف الكبير فيلون الإسكندروني. وفي القرن الواحد والعشرين أقام بها الحاخام موشيه بن ميمون ويهودا اللاوي. في زقاق عمرام، بجانب شارع الميدان وقريبا من حارة اليهود، كان هناك قبل عدة سنوات معبد زرادل Zéradel)) والذي تم افتتاحه في عام 1831. حتى تم هدمه، كانت هناك كتابة منقوشة على الحجر، على أحد الجدران، تمت فيها الإشارة إلى اسم المحسن، يهودا بن شاؤول سبار، والذي قام بتمويل بناء المعبد، والسنة التي تم تدشينه فيها. في التابوت ثمة مخطوطتان قديمتان من التوراه، مكتوبتين بخط أشوري.

في ليالي عيد سمحات توراه، يتم إغلاق الشوارع والأزقة المحيطة بالمعبد أمام الحركة، بينما آلاف المؤمنين اليهود يحيطون المكان وكتب التوراه في أيديهم، وبينها التابوت المقدس وفيه هذان الكتابان. يعرف اليهود، أو أن هذا ما يقال، أن هناك مسلمين ينضمون إلى جماهير اليهود المبتهجين، رغبة منهم حتى هم في تقبيل كتب التوراه، اعتقادا أن هذا سوف يبعد عنهم أي شر وسوف يسعد حظهم. وبالنسبة للسائح الذي يلقيه حظه في المحيط، فسوف يتواجد دائما أهل الحي، هؤلاء الذين سيتفضلون بإدلاله إلى المكان الذي يقع به المعبد اليهودي. باعته الطائفة اليهودية لأناس قاموا بهدمه وبنوا مكانه بيتا سكنيا.

ليس بعيدا عن معبد زرادل، في زقاق سوق الحصر القريب، هناك مدرسة تحمل نفس الاسم، وكذلك مخبز للفطائر والبسكويت الكاشير من أجل الفصح، ومخبز أرغفة ماندو (Mando) ، الجزاران فيتو ورفائيل اليهوديين، بقالة سيمون (Simon) اليوناني، محال البيض، الحصر،  وعصائر حميدون، محل الثلج والمشروبات الباردة لأحمد السنكري، محل عطور ليهودي نسيت اسمه (اعتاد على المجيء بدراجة، وكذلك كان يفعل في إسرائيل عندما عمل في المحكمة بتل أبيب) ومحل الخمور الذي امتلكه أبي.

الجيران، والنجارون وأصحاب الورش والكناسون الذين عرفوني، برغم المسافة الزمنية، نظموا من أجلي جولة في الحي. أشاروا إلى الأماكن التي تم هدمها، إلى المباني الجديدة التي قامت مكانها، ذكروا أسماء أشخاص لم يعودوا أحياء. بين كوب عصير قصب وكوب شاي، كانوا يسألونني عن كل من اليهود الذين عاشوا بيننا، وكانوا واثفين أن جميعهم أحياء في إسرائيل. خيبة أملهم كانت كبيرة لأنني لم أستطع إرضاء ولو القليل من فضولهم.

حكوا لي عن يهود كانوا يعيشون في الحي واليوم هم يعيشون في أمريكان ويأتون إلى المكان لزيارته ويلتقطون الصور للذكرى. وكانوا يسألونني: "متى سوف نتمكن من زيارتكم إن شاء الله؟ هل يمكننا ذات يوم أن نبيع أغراضنا، أثاثنا مثلا، عندكم في إسرائيل؟ آن أوان أن نستفيد نحن أيضا بأي شكل من السلام." أحد الكبار أضاف: "والله، منذ أن غادر اليهود الحي، وبالتحديد منذ أن تهدم المعبد، خرجت البركة من بيننا."

بأسلوب آخر عبر عن رأيه الشخص الذي أدار منذ خمس سنوات المدرسة الخاصة في مبنى المدرسة الثانوية اليهودية المقامة على اسم البارون دي منشيه ( (Baron de Menasce، والتي درست فيها. في لقائنا الذي استمر لوقت طويل وشارك فيه مدرسون شباب دعاهم المدير، تبادلنا الذكريات، الانطباعات والآراء عن مصر وإسرائيل. لخص المدير الحوار في الجملة التالية: "ليس لدي شك في أنه كان علينا طرد البريطانيين ووضع حد للامتيازات التي تمتع بها الأجانب في بلادنا، ولكن بنفس الدرجة فقد كان علينا القيام بكل ما في وسعنا كي تبقوا معنا."

عندما سألته عمن عناه بقوله "أنتم"، شرح لي بشكل حاد: "أقصد بـ"أنتم"، الأجانب الذين كانوا يعيشون بيننا لأجيال، بمن فيهم اليهود، والذين كان إسهامهم حاسما في بناء هذا البلد وتطوره". يهود كثيرون أيضا ممن غادروا، أو طردوا من مصر، لا يتذكرون فحسب العمليات التي نفذت ضد اليهود بسبب حرب 1948، مثل نداءات "يا يهودي، يا كلب"، والقبض على مئات الشباب اليهود، الصهاينة والشيوعيين، وحبسهم في معسكرات تجميع بأبو قير، ثم طردهم من مصر أيضا، وموجة عمليات الطرد الكبيرة لليهود وسائر الأجانب بعد حرب سيناء – السويس في 1956, وإنما يتذكرون أيضا فترات أخرى. في إهداء لكتاب ذكريات نشر عام 1977 في لوزان بسويسرا، كتب المؤلف موريس مزراحي Maurice Misrahi)): "إلى محمد عبد الهادي، وهو موظف مصري كبير، منحني الحماية عندما وصل الجيش الألماني للعلمين، وهدد باجتياح مصر وعرض حياة اليهود للخطر."

في تاريخ الطائفة مسجلة عمليات استيعاب اللاجئين اليهود من الإلزاس بفرنسا، والتي هربوا منها في 1870 بعد الحرب الفرنسية البروسية، لاجئين يهود هربوا من الإمبراطورية الروسية في أعقاب المذابح التي تعرضوا لها، لاجئين يهود من الإمبراطورية العثمانية، هربوا بعد الحروب في البقان والحرب العالمية الأولى، لاجئين يهود هربوا في ثلاثينيات القرن العشرين من بلدان كثيرة بوسط أوروبا بعد صعود هتلر للسلطة في ألمانيا.

كان يمكن لجنود الوحدة اليهودية الحكي عن الحب الكثير الذي غمره به أبناء طائفتهم عندما استقروا في الإسكندرية.

في السنوات الأخيرة، ترأست شخصيات عامة الطائفة اليهودية في الإسكندرية، والتي جمعت كل أجنحتها، من سفاراديم وإشكناز. أطلقت أسمائهم على مؤسسات تعليمية وعامة، مثل المدرسة الابتدائية باسم دلا برجولا، والذي كان هو الحاخام الرئيسي في الإسكندرية عشية الحرب العالمية الأولى، وسلسلة المدارس التي تقع بجانب الطائفة ومسماة على اسم أجيون، والمدرسة الثانوية باسم البارون دي منشيه، وكثيرون آخرون. أبرزهم هو الشخص الذي كان الحاخام الرئيسي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، الحاخام د. مويز فينتورا Moïse Ventura))، والذي هاجر بعد إقامة دولة إسرائيل ومات هناك مجهولاً.

باستثناء المعبد، شكلت المؤسسات التعليمية ومؤسسات المعونة المتبادلة أساس اعتزاز الطائفة بنفسها. في مباني مدرسة أجيون، اللاصقة بمعبد النبي إلياهو، تقع اليوم مدرسة مصرية. في مبنى مدرسة البارون دي منشيه هناك مدرسة خاصة يمتلكها أفراد أسرة جمال عبد الناصر. وبخلافها تعمل مدارس أخرى، مثل المدرسة الثانوية المسماة باسم موشيه بن ميموة، والمدرسة الثانوية للوحدة اليهودي ((Lycée de l'Union Juive، ومدارس تلمودي توراه وغيرها.

قد تنتهي أية محاولة لإعداد قائمة بالمؤسسات العامة ومؤسسات الخدمات والمعونة المتبادلة بظلم أو تجاهل واحدة منها. منظمة "المعونة الأخوية" كانت تهتم بتوزيع الطعام وتقديم المساعدة المادية للمحتاجين. ومشروع "الصدقة الخفية"، كان يقوم أيضا بمساعدة المحتاجين. والمستشفى اليهودي في حي سبورتنج (Sporting)، والتي تم تأميمها أيام عبد الناصر، تواصل حتى اليوم عملها كمستشفى. ومنظمة "مشيفات نيفيش" كانت تقوم بالتزويد بالخدمات الطبية شبه المجانية للمعوزين. وكانت هناك أيضا دور للمسنين، ملاجئ للأيتام، أماكن توزيع الطعام, ملاجئ نهارية. لم يتبق شيء من كل هذا.

في المكاتب القديمة للطائفة اليهودية التقيت برئيس الطائفة جو هراري (Joe Harari)، ولنا متتيا(Léna Mattatya)، وشلومو بلاتشيانو (Salomon Balatsiano). "طالما أعطانا الرب الحياة والقوة، فنحن نسعى لإقامة والاحتفاظ بما تبقى من الطائفة. المؤسسات الوحيدة التي تعمل الآن هي معبد النبي إلياهو ومكاتب الطائفة." كما أشار هراري.

في الأعياد يزور الطائفة حاخام يأتي من إسرائيل، ينظم الصلوات والطقوس. هراري، والذي يزيد عمره عن الثمانين عاما، لا يخفي أصله المتواضع. لقد ولد في حي وكالة الليمون الشعبي، والذي شكل سويا مع سوق السمك، حارة اليهود.

يشهد هراري أن أبناء الطائفة قد سعدوا جدا عندما وقعت كل من مصر وإسرائيل على اتفاق السلام. في اللحظة التي توقفت فيها إسرائيل عن أن تكون عدواً، توقفوا هم أيضا عن أن يكونوا أعداء بالنسبة للكثير من المصريين، والذين اعتبروهم أعداء من قبل. صورة كبيرة للرئيس حسني مبارك معلقة تشهد على إخلاصه للسلطة. يتم استقبال أي ضيف من دولة إسرائيل بترحاب. يعرض هراري باعتزاز الصور التي التقطت له مع وزير الخارجية[4]، شمعون بيريز، أثناء زيارته للمعبد، وكذلك صور بجانب فلان وعلان في الإسكندرية، جاءوا لمشاركة في الاحتفال بيوم الاستقلال الذي نظمته القنصلية الإسرائيلية بالمدينة.

أثناء حديثنا زار هراري ممثلون من الأمن المصري، لأجل معرفة تفاصيل منه عن ميعاد تنظيم ليل هاسيدر[5]، اليوم والساعة والعدد المتوقع للمشاركين. "سلطات الأمن المصرية تحافظ علينا في عينها. هم لا يبقون أي شيء للصدفة. يحافظون على المعبد وعلى مباني الطائفة ليلا ونهارا، ونحن عاجزون عن شكرهم لهذا."

أناس مختلفون، بما في ذلك في الإسكندرية ومصر، يبدون اهتماما شديدا بالثروات الضخمة التي كانت في حوزة الطائفة اليهودية، هذه التي لم تعد موجودة وتلك التي مازالت موجودة حتى اليوم. تم هدم بعض من المباني العامة والمؤسسات، وبعضها تديره السلطات المصرية أو الشركات. هناك مبان مهملة وخربة، مثل معبد منشيه على سبيل المثال، بجانب ميدان محمد علي. على جدران المدافن اليهودية في الشاطبي هناك يافطات في الهواء الطلق. من سيهتم بالحفاظ على المواقع الناجية؟ لا يعرف أحد.

في مبنى الطائفة عرضت علينا لنا متتيا ألبوما ضخما يحوي صور جميع المؤسسات اليهودية. في القاهرة التقيت بشاب مصري حكى لي، أنه قبل سنتين تقريبا أعد قائمة بالشهادات والوثائق الموجودة في مكاتب الطائفة. في الواقع فمن الواضح أن الشهادات والوثائق هي كنز أرشيفي قيم، يمكن له أن يكون مصدرا لا ينضب للكتابة التاريخية لواحدة من أكبر الطوائف اليهودية في منطقتنا.

أراد لورنسو مونتزيني أن يستغل زيارته للإسكندرية لإعداد تقرير مصور عن القصور والفيلات الرائعة في المدينة. اتجه لمجلس الصحافة القومية في الإسكندرية وطلب مساعدته. بعد تمكنه من التغلب على عدة عقبات بيروقراطية تم إخباره بأن السلطات المختلفة، بما فيها الأمن المصري، قامت بالتصديق على طلبه: في اليوم التالي كان عليه التواجد قبل الظهر في مكاتب وزارة مجلس الصحافة، ومن هناك خرج في جولة مؤمنة مع أحد الموظفين. في نهايتها دعاني للانضمام إليه. في وقت محدد اقترب كلانا من مكاتب مجلس الصحافة. قدمني مونتزيني لمصطفى وللمسئولة عنه، واسمها مديحة. أشار إلى أصلي السكندري وإلى اهتماماتي، مؤرخ وصحفي. عندما تساءل مونتزيني إذا كان يمكنني مشاركته جولته أجاب الاثنان بأن ليس هناك مانع في هذا.

بينما كان مونتزيني يتحدث معهما بالإنجليزية، ارتكبت خطأ وبدأت في التحادث معهما بالعربية. عربيتي، والتي توقفت منذ زمن طويل عن أن تكون مصرية واليوم هي أكثر قربا من الفلسطينية، هي التي أفسدت الأمر. بينما كانت مديحة تنسق مع مونتزيني تفاصيل الجولة، أجرى مصطفى معي تحقيقا صغيرا اكتشف في نهايته أنني يهودي أعيش في إسرائيل. مزودا بهذا الاكتشاف، دخل إلى إحدى الغرف، عاد منها بعد دقائق ودعا مديحة للانضمام إليه في الداخل. لم تمر دقيقتان حتى أعلنت مديحة لي: "نحن آسفان، لن تستطيع النضمام لجولة مستر مونتزيني."

هكذا خرج مونتزيني بدوني إلى جولته، ولدى عودته شاركني تجربته. لخيبة أمله لم تتح له زيارة قصور راس التين والمنتزه، المغلقة أمام الزيارات. منعه رجال الأمن من الدخول إلى هذه القصور التي كان يسكنها وزراء ورجال متنفذون، بل ولم يسمحوا له بالتصوير من الخارج. عندما طلب تصوير القصور الخاوية والمهدمة، تدخل الجيران والعابرون الذين تشككوا في سلطة مصطفى على السماح لأجنبي بالتصوير. في قصر فاطمة الزهراء الذي يقع فيه حاليا متحف يعرض مجموعة ثمينة ونادرة من المجوهرات المنتمية للعائلة الملكية، لم يسمح له إلا بالتقاط صور معدودة فحسب. تخلى مونتزيني عن برنامجه الأصلي، محبطا ويائسا، في الكتابة عن قصور الإسكندرية، وقرر تخصيص تقريره للمكتبة الجديدة التي يتوقع لها أن تقوم في المكان الذي تواجدت به بالعصور القديمة.[6]

"مكتبة الإسكندرية" Bibliotheca Alexandrina)),، التي قامت في القرن الثالث قبل الميلاد بفترة بطليموس، شكلت، سويا مع الجامعة والمتحف اللصيقين بها، شبكة ثقافية هائلة. في هذه المكتبة تجمع حوالي 700 آلاف מגילות גומא تحوي جميع أشعار هوميروس، وإبداعات إقليدوس، أيسخوليس، سوفوكليس، أوريبيدوس، (Homêros, Eukleidês, Aiskhulos, Sophoklês, Euripidês)، وآخرين، بالإضافة إلى الترجمة السبعينية، (Septoaginta)، وهي الترجمة الأولى للعهد القديم إلى اليونانية، والكثير والكثير. احترقت المكتبة الرسمية في معارك يوليوس قيصر (48 قبل الميلاد)، وتم تدمير سائر عناصر هذه الشبكة الهائلة في العهد المسيحي.

في أكتوبر 1987 دعت الحكومة المصرية واليونسكو لإعادة بناء المكتبة. وفي يونيو 1988 وضع الرئيس حسني مبارك حجر الأساس للمكتبة، والتي من المفترض أن تقوم في حي الشاطبي أمام الشاطئ. في فبراير 1990، وفي حفل مهيب تم بحضور ملوك ورؤساء، تم تنظيم الجلسة الاحتفالية الأولى للجنة الدولية لإعادة بناء المكتبة القديمة في الإسكندرية. جوائز فخمة تم منحها لمجموعة المهندسين الذين وضعوا خططا معمارية. ووفق الخطة، سوف تضم المكتبة أربعة ملايين كتاب. وفي منشورات رسمية أعلنت الحكومة المصرية عن بدء إدارتها للمكتبة في يوليو من هذا العام. ولكن وفق ما يبدو على السطح، فإن هذا الحدث لا يزال بعيدا.

عندما يسأل الأجانب اليوم عن المكتبة، يشير لهم المرشدون والسائقون إلى قصر الاجتماعات القريب. الساحة التي يفترض أن تقوم عليها المكتبة محاطة بسور ولا يمكن لأحد أن يرى ما يحدث خلفها. أنا ومونتزيني سرنا منفصلين، لكي نرى المكان، على أمل أن ينجح على الأقل واحد من كلينا في رؤية شيء ما. لم يحالفنا الحظ. "حتى هذه اللحظة فلقد تمكنوا من حفر بئر كبير في المكان، ولا يبدو أنهم سيتمكنون من الالتزام بالجدول الموعود لبناء المكتبة وإدارتها." هكذا أشار مونتزيني عندما عاد من هناك. وهكذا دُفنت أيضا خطته في الكتابة عن المكتبة.

تفسير جزئي للتعطيل يمكننا العثور عليه في ملاحظة أدلى بها واحد من العامليْن اللذين التقيناهما في مبنى أوبرا ومسرح محمد علي سابقا، والمسماة اليوم باسم الموسيقار سيد درويش.هذا العامل، ويبلغ خمسين عاما تقريبا، والذي رأى ملامح الإحباط على وجهينا بسبب بؤس القاعة، توجه لنا: "نحن المصريين مسئولون عن هذا الوضع. دول كثيرة تمنحنا مساعدات مادية من أجل ترميم القاعة والحفاظ عليها، ولكن في الطريق، يسقط أغلب المال في جيوب المسئولين والسماسمرة."

في الإسكندرية - بما يزيد على المليوني ساكن بها، بمواقعها التي تشهد على ماضيها التاريخي الرائع، بمشاهدها المذهلة، بطقسها المريح – يصعب على السائح أن يجد، ولو في المكتبات الكبرى، ألبومات وكتيبات مناسبة عن المدينة. دار حوار في هذا الموضوع مع رؤوف رمضان، أحد الباعة في مكتبة كبيرة، وتطور الحوار ليشمل مواضيع متصلة بالماضي غير البعيد للإسكندرية ولحاضرها. رمضان كان يتحدث بفرنسية سلسلة، وهي ظاهرة منتشرة بشكل كاف بين الناس، الكبار والشباب، في مصر. عبر عن رأيه بحرية، ولكن منذ أن انضم محمود عبد الهادي، وهو عامل أكبر منه، إلى الحوار، حتى تحول رمضان إلى مستمع سلبي.

فضل عبد الهادي الحديث بالعربية. بدت كلماته مثل متحدث رسمي يعرض بحماس سياسة السلطة. عندما سمع أنني من إسرائيل وجه إلي كلامه، كأنما يقوله أمام ممثل رسمي لإسرائيل. "نحن سعداء أن إسرائيل تسعى لصنع سلام مع جيرانها العرب، ولكن عليها دائما تذكر أن السادات كان أول من أقام سلاما معها، ولا ينبغي عليها أن تعيش في وهم أنها سوف تحقق السلام مع دول عربية أخرى متجاهلة مصر ورامية إياها وراء ظهرها. لن تستطيع تجاهل الدور القيادي لمصر في العالم العربي."

عندما تم طرح السؤال، عن سبب رفض السلطات المصرية السماح لمواطنيها، وهم في الغالب طلبة يعدون أبحاثا عن إسرائيل، بزيارة إسرائيل، أشار عبد الهادي إلى الموضوع النووي، والذي كان يتم طرحه يوميا خلال وجودي في مصر في الصحافة المحلية. "لو كانت إسرائيل تريد السلام – فلماذا تجمع السلاح النووي وترفض التوقيع على اتفاقية منع انتشار السلاح النووي؟ إسرائيل تلعب بالنار."

حاول عبد الهادي التقليل من أهمية حقيقة أنه في السنوات الأخيرة تراجع السياح عن زيارة مصر خوفا من العمليات الإرهابية التي تقوم بها الجماعات الإسلامية المتطرفة. فتح النار على هذه الجماعات، ولكنه عاد وأكد أن السلطة نجحت في التغلب عليها. "كلنا هنا مسلمون مؤمنون، نصلي ونصوم في رمضان ونحافظ على أوامر الإسلام. ولكن هؤلاء المجرمين، الذين يعملون تحت ستار الإسلام، هم كفرة بالله وبالإسلام وحكمهم حكم الكفرة." كرر عبد الهادي أكثر من مرة كلمة كفرة. "أياد أجنبية هي التي تقف من خلف أعمالهم. هم يرشون أشخاصا بالمال من أجل تنفيذ العمليات الإجرامية. ويستغلون أزماتهم الاقتصادية. هناك فجوة كبيرة بينهم وبين الإسلام."

علامات خارجية كثيرة تشهد على ازدياد تأثير الدين على السكان. في ظهيرة يوم الجمعة تبدأ الصلاة العلنية في أماكن كثيرة، في الهواء الطلق وفي زوايا الشوارع. أحيانا ما يكون عدد المصلين تحت القبة السماوية أكبر بما لا يقاس من عدد المصلين في المساجد، والتي لا يمكنها استيعاب كل من يريدون الصلاة بين جنباتها. من كل مكان تنفجر نداءات المؤذنين والوعاظ، والذين يستعملون مكبرات صوت قوية للغاية.

المرة الأولى التي ركبت فيها "الترام"، أشارت راكبات إلى طريقي للخارج، وأشرن إلى أن هذه العربة مخصصة للنساء فقط. الفصل بين الرجال والنساء في عربات الترام هو ظاهرة لم تعرفها مصر سابقا. حتى عندما زرت المكتبة التي تقع لصق متحف الفن، رأيت لافتات تعلن عن الفصل بين القراء والقارئات.

اختفت "الملاية" و"البرقع" من شوارع الإسكندية. "الملاية" هي قطعة قماش كبير سوداء، تغطي بها المصريات أجسادهم من رؤوسهن وحتى أقدامهن، فيما يشبه الساري الهندي. بعضهن اعتدن على تغطية وجوههن بحجاب مزخرف "برقع"، بلون ذهبي. يوضع على طول الأنف. لدى سؤالي عن أين اختفت "الملاية" أجابني رجال ونساء، أن أن الثياب الحديثة احتلت مكانها. هذه الثياب الحديثة بدت غالبا وكأنه تم نسخها من تلك التي تظهر في دول الخليج العربية وفي إيران: يتم تغطية النساء من رؤوسهن وحتى أقدامهن، وعلى رؤوسهن حجاب محكم، بعضهن يسرن بوجوه سافرة والآخريات بوجوه مغطاة بنقاب مزود بفتحة ضيقة للعينين. وبالطبع ثمة نساء يسرن بفستان أو تنورة حتى الركبة. لم يتردد أحد الرجال في التنهد بصوت عال لدى ذكر "الملاية"، والتي كانت وفق كلامه "تبرز محاسن المرأة وتبهج النظر."

رجال قلائل فحسب يسيرون بالجلابيات، التي لا تزال منتشرة في القرى فحسب.

واحد ممن حاورتهم تبرع بتفسير سوسيولوجي لبعض الظواهر والتغيرات التي غيرت بشكل بارز الطابع الخارجي للإسكندرية. "مكان جموع الأجانب الذين هاجروا من الإسكندرية احتله أشخاص هاجروا إلينا من الصعيد. بعضهم من سكان المدينة، وأصلهم ليس من بحري مثلنا، هم أولاد البر. ولكن في نظر رجال الدين في مصر فالإسكندرية لا زالت تبدو أوروبية للغاية ومتساهلة للغاية في مواضيع المظهر الخارجي والأخلاق."

أخذت مونتزيني، والذي علمني التمييز بين قصور وفيلات نبلاء المدينة وباروناتها، في جولة بالإسكندرية السفلى، "البلدية"، كما اعتادوا تسميتها. بدأنا الجولة بالأنفوشي، وهو الحي القريب من قايتباي، والمقام على المكان الذي علت فيه منارة "فاروس" (Pharos) بمدخل الميناء، وعد في العصور القديمة واحدا من عجائب الدنيا السبعة وانهدم مع زلزال عام 1302 للميلاد. تأثرنا بجمال مسجد المرسي أبو العباس، والذي يخضع الآن لعمليات ترميم. مشينا باتجاه الأزقة الضيقة والحجرية. ذهل مونتزيني عندما اكتشف أن سكان أحد جانبي الزقاق يمكنهم مصافحة السكان في البيت المقابل من خلال النوافذ. في كل المساحات الخالية تكومت كومات القمامة العفنة والمغطاة بالذباب. في الأزقة يجري الأطفال الحفاة وذوو الثياب الرثة، والتي تغطي طبقات من الوساخة جلودهم.

في شارع الميدان، والذي يشكل سوقا شعبية، ظهرت مشاهد أشد قسوة أيضاً. على الدكك القذرة معروضة للبيع حبات طماطم عفنة، نعم، حبات طماطم عفنة. صناديق سمك صغير منتصبة على الأرض. على العربات القديمة هناك أعضاء داخلية من اللحم غير المحدد الذي اسود وصدرت منه رائحة سيئة. في الصناديق والدلاء عرض الباعة الجائلون كتلا من الجبن البني، إنه جبن "المش"، المالح الخاص بالفقراء. بدا واضحا على وجه مونتزيني أنه مصعوق من هذه المشاهد. بوصفه ابنا لعائلة أوروبية وثرية من الإسكندرية فهو لم يلتق من قبل بهذا الواقع الكئيب، بل وربما لم يعرف حتى بوجوده. وكإنسان ناضج فهو يصادف حالات مشابهة في الهند وفي بلدان أخرى بالشرق البعيد.

من الميدان، وعن طريق أحد الأزقة، وصلنا لشارع فرنسا الأكثر نظافة بكثير، والذي تتواجد على طوله محال تجارية يشتري منها أبناء الطبقة الوسطى الفقراء. على واجهات بعض من المحال الصغيرة بسوق الكانتو وسوق الخيط ظلت موجودة كتذكار بعض اللافتات القديمة، والتي تشهد على أن أصحابها كانوا يهودا، وإيطاليين وأرمناً. في طرف شارع فرنسا يوجد حتى الآن المحل متعدد الطوابق "كوتسيكا"، والذي يعتبره الكثيرون خطاً حدودياً بين إسكندرية الأسفل وإسكندرية الأعلى، بين الإسكندرية الجائعة والإسكندرية الشبعانة والثرية.

قريبا من هنا يقع شارع السبع بنات، والذي بالتأكيد يذكّر اسمه الرجال من خدموا في أيام الحرب العالمية الثانية بجيوش الإمبراطورية البريطانية وزاروا الإسكندرية، يذكرهم بالأماكن التي وجدوا فيها الحب اللحظي مقابل المال. في البناية الرائعة التي كانت تقع بها منذ 1937 وحتى ما بعد الحرب العالمية الثانية محكمة الأجانب ( Le Tribunal Mixte)، هناك اليوم محكمة مصرية مكانها. في المقابل، بالميدان، لا يزال تمثال محمد علي باشا راكبا فرسه قائماً، ولكن الميدان الذي كان يسمى ذات يوم بميدان القناصل، ثم ميدان محمد علي، يدعى اليوم ميدان الاستقلال.  بيوت مبنية بطراز معماري أوروبي تقف مكسوة بالطين. مع بعض الخيال يمكننا تخمين أن هذه البيوت عرفت أياماً أكثر جمالاً. في أحد البيوت، بكابينة المصعد الخربة، يحتفظ البواب بالدجاج. السلالم من رخام أبيض والدرابزين الخشبي اسود.

مبنى البورصة، والذي كان قائما هناك لسنوات وأصبح مركز أعمال مصر، لم يعد موجودا. أذكر المبنى جيدا: من شرفته الكبيرة كان الضباط الأحرار يلقون كلماتهم أمام الجماهير في الإسكندرية بعد ثورة 23 يوليو 1952. من نفس الشرفة، في مساء 26 يوليو 1956، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر أمام مستمعيه الربع مليون الهاتفين، وأمام العالم كله، عن تأميم قناة السويس. في أعقاب اتخاذ سياسة التأميم انتقل مبنى البورصة إلى حزب السلطة.

في اضطرابات الجوع التي حدثت بيناير 1977 بأيام رئاسة أنور السادات، حرق الجماهير البناية التي كانت ترمز أكثر من أي شيء آخر للنظام المصري الذي منح كل الود لـ"القطط السمان"، أي الأغنياء. تم هدم المبنى وعلى أرضه المخلاة تم بناء جراج كبير. من بين جميع المارة وأصحاب المحال أيضا، والذين سألناهم عن مصير مبنى البورصة، "لم يتذكر" أحد، أو "لم يعرف". هذه الحقيقة تسببت في انفجار مونتزيني: "سكان المدينة مصابون بفقدان ذاكرة إرادي، ويقومون بكل ما في وسعهم لأجل محو واقع كان موجودا من الذاكرة."

عبثا بحثت عن شرائط فيديو لأفلام السينمائي المصري يوسف شاهين.في أيام إقامتي بمصر، ثار توتر شديد بعد حكم محكمة النقض العليا في موضوع فيلمه الأخير "المهاجر". في نهاية ديسمبر الماضي، وبطلب من محامي من التيار الديني الإسلامي الأصولي، أمرت محكمة ذات درجة أدنى بالقاهرة بمنع عرض الفيلم في دور السينما، بدعوى أنه يدنس صورة يوسف التوراتي وينتهك القانون المصري، الذي يمنع المساس بذكرى الأنبياء. أمرت المحكمة أيضا بإعادة كل نسخ الفيلم الموجودة بالخارج لمصر. أثار هذا الحكم جدلا شعبيا. أمام الحملة الهستيرية للمتعصبين الدينين الإسلاميين ضد شاهين وفيلمه "المهاجر"، وقف ائتلاف منوع مكون من المثقفين والدوائر التقدمية. اتخذت السلطات، والقادرة على إعمال رقابة سينمائية صارمة، موقفا محايدا. بعد عدة طعونات، ألغت في النهاية محكمة النقض هذا الحكم، والآن يمكن مرة أخرى عرض "المهاجر" على شاشات السينما في مصر.

يوسف شاهين، ويبلغ سبعين عاما،[7] والاسم الذي يناديه به أصدقاؤه هو جو، ولد لعائلة تنتمي لطائفة مسيحية صغيرة في مصر، كاثوليكية سريانية. درس في المدارس الثلاث الأجنبية الأكثر نخبوية بالإسكندرية. سان مارك كوليج، المدرسة البريطانية للبنين، وفيكتوريا كوليج. وبدأ مسيرته السينمائية في سن صغير. بعد عرض فيلمه الثاني "ابن النيل"، بدأ نجمه في الصعود. دشن في السينما المصرية الأسلوب النيو-واقعي الأصلي، مع صبغة من الباروك الشرقي. في العشرات من أفلام قام بعرض بورتريهات لأشخاص من جميع طبقات المجتمع المصري. وقام بإخراج أفلام تاريخية أيضا تنتمي لعصور الفراعنة، الحملات الصليبية، حملة بونابرت على مصر والصراع العربي الإسرائيلي. ثلاثيته "إسكندرية ليه" (1978)، "حدوتة مصرية" (1982)، و"إسكندرية كمان وكمان" (1990)، حظت بنقد متحمس في مصر وأوروبا.

الصراع الذي دار في مصر وتجاوزت أصداؤه حدودها، من أجل منع حظر فيلم "المهاجر" تطلب من شاهين الكثير من القوة النفسية والبدنية. شاهين يرى في نفسه وطنيا سكندريا، وبسبب هذا فهو كوزموبوليتاني. في واحدة من حواراته ربط انتقاده لطرد الأجانب من الإسكندرية بانتقاده لهؤلاء الأجانب نفسهم، والذين ذهبوا وتركوا وراءهم فراغا واسعا. قام بتأنيبهم: "هناك مسئولية على الأجانب. عندما حان الوقت – من أجل سياسة غبية، كما كان الأمر دائما – غادروا بدون أن يتركوا وراءهم ما يكفي من المعلمين للحفاظ.. قلت للبريطانيين: "لماذا يتم تخريب فيكتوريا كوليج؟ اطلبوا من حكوماتكم أن تمنح المال!" وما الذي يمكن قوله للفرنسيين؟ كل جالية ساهمت بدورها المتواضع في الثقافة السكندرية. في الإسكندرية لم تكن هناك فقط ثقافة فرنسية، وإنما كانت هناك ثقافات يونانية وإيطالية، ولكن بدون الفرنسيين بالتأكيد كان سينقصنا شيء. هذا الشرخ الثقافي هو أمر خطير جدا...

"بالطبع، عندما نكبر ونكتشف أشياء لم تعد هي نفس الأشياء، يداهمنا إحساس بالمرارة الشديدة.. عندما يكون عقلي أكثر صفاء أقول لنفسي، "لا، أحسن أن الإسكندرية لم تعد كما كانت سابقا"، فهي لم تكن الشيء الأكثر بريقا في العالم. ما كان جيدا فيها هو تنوع القوميات. كل الألوان، أنا أحب كل الألوان. اليوم لا يمكنها أن توجد بهذا الشكل، نحاول... هناك في الإسكندرية أشياء كثيرة إيجابية للغاية. وكنت أريد الشعور بأنني أسهم بشيء ما من أجل الإسكندرية الجديدة، وليس القديمة. بالنسبة لي، لم يوجد هناك شرخ."

قبل مغادرتنا سأل أحدنا الآخر، أنا ومونتزيني، إن كنا سنعود بعد هذه الزيارة الحزينة لنزور الإسكندرية مرة أخرى. "للوهلة الأولى لا. ولكن عندما نفكر فيها مرة ثانية نجد أن الإجابة بنعم. نحن مرتبطان للغاية بهذه المدينة"، أجابني. في فاكس تلقيته منه لدى وصوله لسيدني عبر عن أمله في أن يتمكن من أن يحقق في أستراليا مشروع مساعدة لإقامة مكتبة في الإسكندرية. "هذه هي الطريقة الوحيدة التي أعتبر نفسي بها قد عدت وزرت الإسكندرية. الماضي انتهى. في المستقبل، فقط ما يمكنه إعادتي لهنا هو مشروع ما كهذا. ربما يكون هذا هو حالك أيضا.

------------------

* نشر في ملحق "هاآرتس" بتاريخ 14.4.1995



[1] كلمة تشير لمواطن الشرق الأوسط، البدائي، السطحي، والأدنى.

[2] مكتوبة هكذا في الأصل. المقصود "الأزاريطة".

[3] المقصورة النسائية في الكنيس للنساء اللواتي يفدن اليه للصلاة او الاستماع الي الصلاوت.

[4] رئيس دولة إسرائيل الحالي.

[5] الليلة الأولى من عيد الفصح.

[6] تم افتتاح المكتبة بالفعل في أكتوبر عام 2002.

[7] توفى المخرج يوسف شاهين عام 2008.

6/13/2010