מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

نعم، قدرُنا واحد!

بقلم: فاطمة ناعوت *

مخبزٌ تعلوه يافطةٌ مكتوبٌ عليها: "خُبز الإخلاص، حسن ومرقص". ثم يأتي بعضُ مشوهي الروح يضربون اليافطةَ، ويُسقطونها أرضًا، فيدخل صوتٌ نسائيٌّ عذبٌ يغنّي: "قلبي وجعني." تلك اليافطةُ المستهدَفةُ، تحملُ حدوتةَ وجع مصر كاملة. "الخبزُ"، نسميه بالمصري "العيش"، لأنه الحياة. "الإخلاص"، هو التحابُّ والمواطَنة. "حسن ومرقص"، هما مصر. وأما الفتاةُ التي تشدو، فهي صوتُ مصرَ الحزينة، الموجوع قلبُها، مما نفعله، نحن أطفالُها، في بعضنا البعض. سقوطُ اليافطة وتحطّمُها، يعني تحلّلَ مصر وانهيارَها. لا قدَّرَ اللهُ، ولا سمح.

جماعةٌ من شباب مصر الجميل، صنعوا كليب، وبثوه على You tube. عنوانُه: "قل لهم إنك معايا". كلمات: رمزي بشارة، ألحان: سامح عبيد، توزيع: جورج رمزي، غناء: إيريني أبو جابر، وإخراج: فادي نشأت. على خلفية من مشاهد فيلم: حسن ومرقص. هنا:

http://www.youtube.com/watch?v=XbJMOLTkTgg&feature=player_embedded

"قد إيه قلبي وجعني/ لما أخدوا مني ولدي/ يا عدرا دانتي أم/ يعني/ دُقتي همّي ودمع خدي/ آه يا وجعي يا مراري/ يا إلهي/ طفّي ناري/ مش باقول هاخد بتاري/ بس عدلك هو قصدي/ نفسي بنتي لما تخرج/ تيجي تاني بالسلامة/ وأبقى مش خايفة عليها/ م المشاكل والمخاطر/ نفسي أي وشوش حزينة/ تلقى تاني الابتسامة/ نفسي للعِشرة اللي بيننا/ نبقى نعمل ألف خاطر/ مدّ إيدك يا رجايا/ ياللي بيك كل الحماية/ قل لهم إنك معايا/ أصلهم فاكرني وحدي/ إيه اللي يمنع نبقى واحد/ رغم أي فروق في ديننا/ ياللا إيدك ويّا إيدي/ نحطّ للكراهية آخر/ إفهموا ده الله محبة/ زي ما هو رحمن وغافر/ قولوا للظالم كفاية/ ذنبهم إيه الضحايا/ باطِّحِن تحت الرحايا/ يا إلهي خُدْ بيدي."

 

هؤلاء الشباب الذين صنعوا هذا الكليب الزكّيّ الذكيّ، ربما من أبناء الثمانينيات أو التسعينيات، زمن توهّج المدّ السلفي الوهابي في مصرَ، الذي خرَّب فطرتها الطيبة. يعني لم يشهدوا عصرًا أجملَ لم يكن فيه للعقيدة دخلٌ بالمحبة والمواطَنة. لو كانوا أكبر قليلاً، لأضافوا لعبارة: "إيه اللي يمنع نبقى واحد/ رغم أي فروق في ديننا"، عبارةً تقول: "زي ما أهالينا كانوا." أنا لحقتُ شطرًا من ذاك الزمن الجميل. كبرتُ في مدرسة قبطية، ولم أسمع طوال سنوات طفولتي وصباي عبارات مثل: مسيحي ومسلم، دينك وديني، ولا مصطلحات دخيلة، مثل: "الوحدة الوطنية، عنصري الأمة". تلك مستورداتٌ هبَّتْ علينا مع عواصف الرمال. فلماذا نفتح للغبار عيوننا حتى أعمانا؟!

 

كتب الصديق د. أيمن حامد تعليقًا على أحد مقالاتي يقول: "كنّا: حسن ومرقص وكوهين. وصرنا الآن: حسن ومرقص. ونرجو ألا يأتي يومٌ نكون فيه: حسن!" هل نسعى حقًّا إلى ذلك اليوم، لكي نُبكي مصرَ أكثر؟

-----------------

* فاطمة ناعوت, (الميلاد : القاهرة, 1964) -  كاتبةٌ صحفية وشاعرة ومترجمة مصرية. تخرجت في كلية الهندسة قسم العمارة جامعة عين شمس. لها، حتى الآن، خمسة عشر كتابًا ما بين الشعر والترجمات والنقد. تكتب أربعة أعمدة أسبوعية ثابتة في صحف مصرية وعربية هي: "المصري اليوم"، "الرؤية"، "الوقت" البحرينية، "نهضة مصر". عضو نقابة المهندسين المصريين وعضو عامل باتحاد كتّاب مصر. تُُُرجمت قصائدها إلى العديد من اللغات الأجنبية؛ (بريد إلكتروني:(fatma_naoot@hotmail.com   .المصدر: المصري اليومwww.almasryalyoum.com/  - 19.12.2010.

 

قاصيدة لفاطمة ناعوت  

شيخُ الطريقةِ

 
كان يعلِّمُنا في الليلْ
 
المواقفَ ، والبكاءَ في حضرةِ الحاجةِ ،
 
و يفسِّرُ
 
كيف أنّ المخاطباتِ الداديّةَ
 
تفرِّغُ ساعةَ الرُّدهةِ من الأرقامْ ،
 
وتُحرِّضُ صبيَّ البوابِ
 
أن يدفعَ الجريدةَ تحتَ بابِ البيتِ ،
 
يركضَ صوبَ الحديقةِ
 
ليلحقَ أباه الذي برَحَ موقعَه
 
كي يراقبَ الشرفةَ من زاويةٍ أفضلْ.
 
الشَّيخُ
 
الذي تعلَّمَ على ديكارتْ ،
 
أوقفَنا في الليلِ وقالْ:
 
الذي دمجَ الهندسةَ بالجبرِ كان مُغفّلاً
 
لأن الأتربةَ التي تتكونُ
 
في الفراغِ بين الفستانِ والجلدْ
 
تقدِّمُ برهانًا مقبولاً
 
على جوازِ الإدانةِ بأثرٍ رجعيّ
 
و تضعُ الفلاسفةَ في حَرَجٍ بالغْ
 
لأنهم عجزوا عن تفسيرِ دموعِ البنتِ
 
يومَ عُرسِها
 
بناءً على مقولتِهم :
 
الاستقراءُ يشدُّ الخطَّ البيانيَّ
 
و يكسرُه عند نقطةِ الخضوعْ .
 
فمَرَّةً ،
 
كتبتْ في ورقةِ الإجابةِ :
 
المسافةُ بين العُنُقِ والقدمين
 
نتوءاتٌ في النصِّ
 
لابدَّ من اختزالِها ما أمكن ،
 
فمالت الأمُّ عليها
 
و تكلمتْ بإيجازٍ
 
عن نَولِ الرَّجلِ وراءَ البحرِ الأحمرْ،
 
ثمَّ نظرتْ في ساعتِها ،
 
و مضتْ إلى ' أحمد عكاشة '
 
حيثُ محاضرةٌ
 
عن ' إلكترا والعُصابُ الفُصاميّ ' ،
 
و مرَّةً ،
 
كان يأتي كلَّ شهرٍ
 
بمجموعةٍ شعريةِ وفتاةْ ،
 
و يؤكّدُ
 
أن اصطدامَ عالَميْن متناقضيْنِ
 
ينطوي على فلسفةٍ لا تخلو من متعةٍ
 
و أن لحظةَ الكَشْفِ
 
يهونُ أمامَها
 
اندثارُ البشريةْ .
 
لكنَّ البنتَ الطوباويةَ
 
-
بعد أن عقرتْ عقاقيرُ الاكتئابِ ذاكرتَها -
 
قدمّت أطروحةً أخرى :
 
-
لن أكونَ رقمًا
 
لأنني أكرهُ الإحصاءْ ,
 
-
ولا عنزةً
 
لأنني لا أؤمنُ بالنشوءِ والتطور ،
 
-
و لا صفحةً في كتاب
 
لأنني أسخرُ من فكرة التناسخْ .
 
الأنسبُ
 
أكونُ لصًّا
 
لعشرِ سنينَ قادمةْ ،
 
وفي تمام الأربعينْ
 
أدفعُ بالرَّصاصةِ إلى سقفِ الحَلْقِ
 
بعد كتابةِ وصيّةٍ مؤثرةٍ
 
ورسمِ انطباعٍ دراماتيكيٍّ
 
على الوجه

 

 

 

 


نعم قدرُنا واحد. وعلينا مواجهةُ مصير واحد يُنذرُ بالويل. الجوعُ والفقرُ والأوبئةُ والفسادُ والبطالة والماءُ المسرطن، جُماعُ ما سبق وأكثر، هو العدو الواحدُ الذي علينا مواجهته مسلمين ومسيحيين. بدل أن نفتتُ بعضُنا البعض! الحبُّ سهلٌ جدًّا، مثلما الكراهيةُ صعبةٌ ومُرّةٌ وقبيحة. الحبُّ هو الذي يفصلنا عن الهمج والحوشيين والأجلاف. مَن تعلّم أن يحبَّ اللهَ، لابد أن يتعلم كيف يحبُّ صنعَ الله. وكلُّ البشر صنعُ الله.

 

ثم يختتمون الكليب الجميل بالآية 82 من سورة "المائدة": "وَلَتَجدنَّ أقربَهم مودَّةً للذِين آمنوا الذِين قالوا إنَّا نَصارى، ذلك بِأنَّ منهم قِسِّيسين ورُهبانًا وأَنهم لا يستكبرون." ثم عادل إمام/ حسن، وهو يقول: "قلوبنا المنكسرة لا تخذلها يا رب. ارحمْنا، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا." ثم يأتي العظيم عمر الشريف/ مرقص، ليقول: "اللهم ألِّفْ بين قلوبنا. وأصلحْ ذاتَ بيننا. وأهدِنا سُبُلَ السلام. ونجّنا من الظلمات إلى النور." ثم يلتقي المصريان: حسن ومرقص. ويسأل مرقص: "هانروح على فين يا شيخ حسن؟" فيجيب بيأس وحيرة: "والله منا عارف يا مرقص!" ثم يضع كلاهما يده في يد أخيه ويقولان في تصميم: "الظاهر إن قدرنا واحد."

12/27/2010