מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

من السابق التونسي الى اللاحق السوري

بقلم: صلاح بدرالدين*

 

أسابيع ثلاثة كانت كافية لولادة " السابقة التونسية " التي دخلت التاريخ من أوسع أبوابه ولأن تغير وجهة سير البلاد بانهاء نظام حكم استبدادي طال أكثر من عقدين , وقد حملت السابقة في صيرورتها ميزتين فريدتين أولاهما سقوط نظام أمني عتيد يستحوز ولاء الجيش وللمرة الأولى في تاريخ البلدان العربية تحت ضغط انتفاضة شعبية سلمية عارمة شبه عفوية مع كل ملابساتها المثيرة وبعض مظاهرها الميدانية السلبية وثانيهما – ويا للمفارقة – تراجع حاكم دكتاتوري ممسك بأدوات القمع والردع وفي سرعة قياسية أمام ارادة الغالبية الشعبية مقتديا سلوك الرئيس الأثيوبي السابق – منغستو هيلا مريام – وليس خيار الرئيس العراقي المخلوع – صدام حسين - ومغادرة البلادتحت جنح الظلام من دون أن يركب الرأس ويتشبث – بشرعيته الدستورية – المزعومة لثلاث سنوات أخرى وبذلك وفر على البلاد والعباد مزيدا من التضحيات والخسائر الجسيمة .

هناك العديد من عوامل التشابه بين تونس وسوريا وهما جمهوريتان رئاسيتان نيابيتان وخضعتا لحكم الامبراطورية العثمانية وتعرضتا لاحتلال الكولونيالية الفرنسية التي رحلت بعد اشتداد عود المقاومة الوطنية في البلدين وشعباهما مزيج من عدة أعراق واقوام في تونس من العرب والأمازيج بشكل رئيسي ومن أصول أوروبية وافريقية ورومانية وتركية وأندلسية وفي سوريا من مكون أساسي من العرب يليه المكون الكردي وأعراق أخرى من الكلدان والسريان والآشوريين والتركمان والشركس في تونس تسلق الرئيس السابق وكان مسؤولا أمنيا كبيرا قبل ثلاثة وعشرين عاما الى قمة السلطة بحركة انقلابية على مؤسس تونس الحديثة – الحبيب بورقيبة – باسم التغيير والتجديد وفي سوريا حصل الأمر المشابه ولكن قبل أربعين عاما حيث انقلب وزير الدفاع على رفاقه وتوج رئيسا باسم – الحركة التصحيحية – في تونس قاد الرئيس الفرد البلاد تحت يافطة " الحزب الدستوري " وفي سوريا قاد الرئيس الدكتاتور النظام باسم " حزب البعث " ( الذي يقود الدولة والمجتمع ) بحسب الدستور في تونس استمد النظام جبروته من قوى الأمن والمخابرات كأداة قمع وترهيب واعتمد الرئيس – الجنرال أساسا على العسكر في سوريا سارت الأمور على نفس المنوال قوى أمنية موالية تتوزع على أجهزة متعددة تضاهي بأعدادها وميزانيتها الجيش السوري الذي يقوم بدوره في حماية النظام في عهدي الأب الفريق والابن الجنرال والنظامان يعتمدان على قاعدة اجتماعية – عائلية من الأغنياء الجدد وفئات النهب المافياوية والرأسمالية التابعة التي تقوم بدور الكومبرادور وهناك في البلدين مجلس النواب – البرلمان – ولكن بلون واحد وتحت سيطرة الحزبين الحاكمين والرئيس الى الأبد وسيادة العنصرية والطائفية والجهوية وتفاقم بؤس ومعاناة الشعب ومن دون معارضة .
كان نظام تونس مقبولا من الغرب لأنه يضمن الاستقرار وعلماني يواجه الاسلام السياسي ويحارب الارهاب ونظام دمشق – مدلل – ليس من الغرب الأوروبي والأمريكي فحسب بل من اسرائيل وبعض الجوار وبعض الخليج لأنه ضامن استقرار سوريا ولبنان ومهدىء الجولان ولاجم اندفاعة الشرعية الفلسطينية والحركة الديموقراطية اللبنانية وهكذا نجد النظامين منبوذان من الداخل ومدعومان من الخارج .

الكل يجمع على أن انتفاضة تونس الشعبية الظافرة على النظام هي بمثابة – ثورة الجياع – ضد الظلم والفساد وفي سبيل توفير فرص العمل خاصة للشباب وخريجي الدراسات العليا في مجتمع تزداد فيه أعداد الفقراء بصورة هائلة وفي سوريا تتجاوز النسبة على ماهو عليه الوضع في تونس بسبب النهب والفساد اذ يبلغ عدد الفقراء حسب احصائية الأمم المتحدة الأخيرة سبعة ملايين وبحسب اعتراف وزيرة العمل والشؤون الاجتماعية مليونان وهذالعدد الكبير سيشكل وقود الانتفاضة عاجلا أم آجلا .

أما عوامل الاختلاف فتكمن في تورط نظام الأب والابن السوري في اقتراف جرائم قتل السوريين بالآلاف لأسباب سياسية وعنصرية منذ أحداث حماة وسجن تدمر مرورا بحوادث قتل الكرد في آذار 2004 وفي مناسبات نوروز السنوية من بعدها واغتيال الشيخ معشوق الخزنوي ناهيك عن التسبب في حرمان عشرات الآلاف من العوائل السورية من حق المواطنة والأرض والعمل والسفر والتوظيف وقيامه بقتل مئات اللبنانيين بدءا بكمال جنبلاط وانتهاء بالحريري ومسؤوليته في آلاف حوادث التفجيرات الارهابية في العراق منذ سقوط دكتاتور العراق وحتى الآن ولاننسى هنا مسؤولية النظام في الحاق الأذى بالعمل العربي المشترك والانخراط في المحور الايراني وتسعير الصراع الفلسطيني الداخلي ودعم انقلاب غزة على الشرعية في حين لم يسجل على النظام التونسي السابق تورطه في اقتراف مثل تلك الخطايا ولم نسمع عن دعوات قضائية جنائية ضده في حين هناك عشرات الدعاوي يمكن أن تثار ضد نظام دمشق أمام القضاء الوطني اذا سمحت الظروف وكذلك عبر المحاكم الجنائية الدولية بتهم متنوعة تتوزع بين : جرائم بحق الانسانية وجرائم الابادة والقتل لأسباب عنصرية وسياسية ومن بينها قضية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري .

 

 

 

الدرس الأول : لن تصمد قوى الأمن والأجهزة الموالية للدكتاتورية بكل وسائلها أمام الانتفاضة الشعبية ولم يعد الجيش مضمونا للحاكم المستبد الى مالانهاية وما حصل في تونس ومع شعبها المسالم الطيب يعتبر تحولا حاسما باتجاه كسر حاجز الخوف والى الأبد .

الدرس الثاني : فشل الرقابة الأمنية والحجب على وسائل الاعلام وهناك مايكفي من الوسائل لطرح ونشر مايجري في أي مكان بالصوت والصورة من – فيس بوك وتويتروغيرهما لفضح القمع وجرائم القتل وتأليب الرأي العام العالمي واستنهاض الجماهير في الداخل .

الدرس الثالث : عدم صحة نظرية انتظار – البديل الجاهز –لاسقاط النظم الدكتاتورية فتحت ظل تلك الأنظمة وبسبب القمع المنظم لم تعد هناك حركات معارضة منظمة وجاهزة لاستلام الحكم والحراك المدني الناشط يسبق الأحزاب أشواطا والشارع لم يعد في وارد انتظار من يقوده من السياسيين الحزبيين الذين لايحسد على أوضاعهم الذاتية المتردية الفاقدة للمبادرة والصدقية لاشك أنه من المستحسن قيام أدوات منظمة في الميدان لرسم الخطط وادارة الصراع والحفاظ على نقاوة الانتفاضة الشعبية حتى لاتقترف الأخطاء أو تنحرف عن الأهداف كما حصل في انتفاضة تونس .

الدرس الرابع : ليست هناك صداقات دائمة لأنظمة الاستبداد على الصعيدين الدولي والاقليمي وهذه الحقيقة بدأت تتراءى منذ توقف الحرب الباردة والاهتمام العالمي بقضايا حق الشعوب في تقرير المصير وحقوق الانسان وتوجهات الدمقرطة وقد لمسنا التحفظ الأمريكي على النظام منذ اندلاع الانتفاضة التونسية واحجام فرنسا عن استقبال الرئيس بن علي تمشيا مع رغبة شعب تونس ومزاجه ومشاعره .

الدرس الخامس : امكانية هروب أو رحيل أي رئيس دكتاتور اذا اندلعت الانتفاضة وتواصلت واذا رأى الى ذلك سبيلا ولاأرى أن السبل ستنعدم حتى قبل التحرك الشعبي خاصة أن ذلك سيوفر الأرواح البشرية الثمينة وسيصون الممتلكات العامة والخاصة وقد دشن الرئيس بن علي - مشكورا - هذا الخيار على صعيد النظام السياسي العربي .

---------------

* صلاح بدرالدين - ولد في  آذار  1945 بقرية  نعمتلي, قضاء القامشلي في سورية . ثم عاش مع أهله في قرية  جمعاية. انتسب مبكراً الى الحزب الديموقراطي الكردي في سورية وساهم مع الجناح اليساري القومي عام  1965 في تدشين النهج القومي الديموقراطي في الحركة الكردية. عاش الجزء الأكبر من حياته في العمل السري والاختفاء والهجرة القسرية الى لبنان وكردستان العراق وتونس وألمانيا الديموقراطية والاتحادية فيما بعد  وسجن لعام واحد في سجن القلعة بدمشق ، وتم تحويله الى محكمة امن الدولة العليا بدمشق بعد تجريده من الحقوق المدنية . منذ عام  1968 اصبح السكرتير الأول للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري في سورية ثم أمينا عاما  لحزب الاتحاد الشعبي الكردي بعد تبديل الإسم في المؤتمر الخامس عام 1975. اسس في لبنان – رابطة كاوا للثقافة الكردية – كمؤسسة ثقافية في أعوام 1975–1978,  وفي كردستان العراق عام  1999. ساهم مبكراً في بناء العلاقات الودية مع حركة التحرر العربية وخاصة منظمة التحرير الفلسطينية, كما شارك في اقامة عدد من جمعيات الصداقة بين الكرد والعرب وهو رئيس جمعية الصداقة الكردية–العربية. من بين مؤلفاته:  - الاكراد شعبا وقضية؛ - القضية الكردية والنظام العالمي الجديد؛ الحركة القومية الكردية في سورية - رؤية نقدية من الداخل؛ - الكرد والعرب : اتحاد اختياري وشراكة عادلة؛ - غرب كردستان ... الربيع الدامي؛ - الكرد بين ارهاب الدولة القومية والاسلام السياسي. المصدر: الحوار المتمدن  www.ahewar.org -  العدد: 3248 – 16.1.2011.

 

 

 

 

دروس مستخلصة من " السابقة التونسية "

1/18/2011