מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

(ثرثرة فوق النيل) العابثون

أو محنة الطبقة الوسطى في ظل الأنظمة الشمولية

بقلم: بلند حسين*

(المقالة مهداة إلى الشعب المصري البطل)

 

في العربية يُقال(عَبَثَ) بالشيء: أي خلطهُ و(العَبَث) كمصدر: هو ارتكاب أمر غير معلوم الفائدة أو ليس فيه غرضٌ صحيحٌ لفاعله. وقد تناول الروائي الكبير(نجيب محفوظ)(1) ـ الذي فُجِعْنَا برحيله حقاً ـ في روايته(ثرثرة فوق النيل) عام 1965م، شريحة من المجتمع المصري(الطبقة الوسطى)، باتت تعيش على هامش الحياة، في أزمة مع نفسها ومع النظام الذي أبعدها إلى خارج سياق الحِراك السياسي، حتى أضحت حياتها من دون معنى، نتيجة هذا التهميش المقصود، ومن دون أمل حقيقي أو قيم تحتذى، نتيجة الاستبداد أو الافتقار إلى الديمقراطية؛ فعاشت حياة روتينية، تحت ستار أخسأ أنواع المداهنة والانتهازية واللامبالاة والاغتراب عن واقعها، وبالتالي لم يعد لحياتها مغزى، لأنها تجري عبثاً في عبث.

شخصيات الرواية: يتوزع العابثون في(ثرثرة فوق النيل) ـ التي تناول فيها محفوظ أزمة المثقف كممثل للطبقة الوسطى ـ بين مَنْ يحشر أنفه في قضايا تافهة لا تُغْني ولاتسمن(أحمد نصر/موظف)، أو يتزوج فتاة طمعاً في ثروتها(مصطفى راشد/محام)، أو منافق ومداهن(علي السيد/أزهري النشأة وناقد فني يتقن الانكليزية)، أو عاطل ورثَ عمارةً ضَمَنَتْ له حياةً رغيدةً(خالد عزوز)، ورجُلُ جنس، جميلٌ وجذاب، لكنه بلا مبادىء(رجب القاضي)، ومثقف خائب(انيس زكي/موظف)، وبنات هوى(سناء وسنية وليلى/الأولى طالبة بكلية الآداب والثانية هجرَتْ زوجها، أما الأخيرة فهي مترجِمة في وزارة الخارجية وعانس في الخامسة والثلاثين)، وأخيراً العم(عبده) خادم العَوّامَة (العوامة: بيت من خشب، يقامُ على سطح الماء أو يَطفو عليه). أما الشخصية الجديّة الوحيدة في هذه الرواية، فهي بطلة الرواية الحقيقية(سمارة)، رمز إنتصار الجدية على العبثية.
هؤلاء جميعاً يلتقون في العَوّامَة الراسية في نهر النيل، ويقتلون الوقت بسفاسف الأمور وادارة الجوزة والبذاءة والاستهتار. لكنْ، هناك خيطاً رفيعاً يربطهم جميعاً، أعني(الاحباط)، فيلوذون بالعَوّامَة، أي:(بالهروب إلى عالم التغييب والمخدرات، في محاولة يائسة للبحث في معنى وهدف لوجودهم، رغم أنهم ـ تقريباً كلهم ـ أصحاب وظائف مهمة في الكادر الوظيفي في الحكومة أو القطاع العام أو الفن والاعلام)(2).فإنسحابهم إلى العَوّامَة كان بمثابة خطوة سلبية انكفائية لرفض ما يدور خارجها، مثلهم في ذلك كمثل ركاب سفينة، لايبالون بما يجري في البحر أو المحيط (الأوقيانوس) الذي يلفهم.

 


مصر: مظاهرة تضامن مع الثورة في ليبيا

 

ورغم أن الرواية تنتقد النظام الذي شيَّأ الانسان إبان الحقبة الناصرية المجايلة للحقبة البَعْثية في سوريا، حيث هيمنتْ فيها الأجهزة الأمنية على مقدرات المجتمع وتحكمت بمفاصله كافة، إلا أن الرئيس الراحل(جمال عبد الناصر) طلب يومها من وزير الثقافة(ثروت عكاشة)، بقراءتها وإبداء رأيه فيها، وعلى ما يبدو أن الأخير قد أَخْبَرَ الرّيس، بأن فيها مجرد انتقادات بسيطة لمسيرة الثورة، مما جعله يَغضّ الطّرف عنها، بخلاف المشير(عبد الحكيم عامر) وزير الدفاع، الذي أثقل كاهل(محفوظ) بالتهديد والوعيد.

هذه الظاهرة المَرَضية، أعني نخر المجتمع من الداخل عن خلال نسفِ منظومتة الاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية، ومن ثم تدمير الطبقة الوسطى(الحامل الاجتماعي للتغيير) فيه، عن طريق عملية افساد ممنهجة، تأَمّلَها محفوظ مَلياً بقرون استشعاره الابداعية وشَخَّصَها بفراستِه، لكنهالم تعد تقتصر على الفساد الاداري(أشكال الابتزاز والاختلاس والرشوة وهدر المال العام) فحسب، بل تعدته اليوم إلى الفساد السياسي ـ وهو الأخطر ـ الذي يعشعش اليوم في قمة الهرم السياسي.
وإذا علمنا ان وسائل الاعلام والأحزاب والنقابات والبرلمانات، ناهيك عن منظمات المجتمع المدني والرأي العام، تُعَدُّ من أهم وسائل الوقاية، التي يمكن من خلالها تشخيص وفضح هذا الخطر الداهم وتقويمه في ظل الأنظمة الديمقراطية، فهمنا عندئذٍ لماذا تسوِّغ الأنظمة الشمولية لنفسها تأميم وسائل الاعلام واحتكارها، وتحجب الحقائق عن الناس، وتتحكم بمفاصل أي نشاط لاينسجم وسلوك سكان العَوّامَة الموصوف آنفاً.

بهذا الشكل إذاً، تتهرب الأنظمة الشمولية من المساءلة والاستحقاقات المترتبة عليها، رغم افتقارها للشرعية والمصداقية في أعين جماهير الأمة، في ذات الوقت الذي تدفع فيه بمجتمعاتها نحو هذه الهاوية السحيقة، متحججة باعتبارات تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار في ربوع البلاد !.... هذا ما أرادت(ثرثرة فوق النيل) على الأقل أن تفصح عنه بقناعتي.
طبعاً، لا يمكن الحكم على هذه الرواية إلا في سياقها التاريخي، لأنها تعكس ابداعياً حقبة معينة من تاريخ مصر المعاصر شيّأت الانسان. أما ما يجري اليوم، حيث تنتفض مصر بأكملها ويحتشد الملايين من شبابها في ساحات القاهرة(ميدان التحرير) وسائر المدن الأخرى، وهي تهتف:(ارحل ارحل يا مبارك) أو(يا جمال قُلْ لأبوك، المصريين مابحبوك)، فينذر بانتصار جدية(سمارة) الحقيقية وليست المفترضة ابداعياً، أعني جديتها المتجسدة اليوم(25 كانون الثاني 2011م) في انتفاضة الشعب المصري المباركة، ويومىء بهبوب رياح التغيير، التي ستدشن مرحلة جديدة، ليس في مصر وحدها بل في عموم المنطقة العربية، وستطهر الأرض من دنس الفراعنة وبطاناتهم الفاسدة.

-----------------
1-
ولد بالقاهرة في 1/2/1911م، وتوفي في 30/8/2006م، نال جوائز عدة من بينها جائزة نوبل 1988م، تعرض عام 1994م لمحاولة إغتيال بالسكين على يد شاب متزمت في رقبته، له ما يزيد عن 68 عملاً قصصياً وروائياً وكتاباً، من رواياته الشهيرة (أولاد حارتنا)...الخ.

 2- عبد الفتاح صبري ـ مجلة الرافد الاماراتية ـ العدد 111.

-----------

* المصدر: الحوار المتمدن – www.ahewar.org – العدد: 3290 – 27.2.2011.

 

3/1/2011