מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

رسالة إلى الجميع: ماذا فعلت بأمك يا عدو المرأة؟

بقلم: العفيف الأخضر*

في كل جيل أباطيل يُدان بها / فهل تفرد يوماً بالهدى جيل؟

أبو العلاء المعري

لا رسالة تونسية اليوم. ليست استراحة محارب على وشك أن يسقط من يده السلاح. بل هي مجرد مصادفة: في ليلة سبت اشتد عليّ الوجع.التمست المسكنات، فإذا هي قد نفدت؛ ولا أحد أستنجد به ليبحث لي في الصيدليات المناوبة عنها، فرأيت أن أتشاغل عن آلام السرطان بلذة الكتابة، مستلقياً على ظهري ومستنداً إلى ثلاث مخدات وقلم الرصاص بيدي... لأكتب هذه الرسالة لكل ساكنة أرض الإسلام.

العنف الرمزي هو سلاح أقصى اليمين الإسلامي لترويض ضحاياه؛ مثلما يروض مروض السيرك ضواريه. مفهوم العنف الرمزي، في السوسيولوجيا المعاصرة، هو مفتاح أساسي لفهم أعمق لاستراتيجية المروضين الدينين والايديولوجين خاصة للنساء لجعلهن يستبطنّ فكرة جلادهن عنهن: إنهن "ناقصات عقل ودين"،و: "شاوروهن وخالفوهن". وقد تمثل الوعى الإسلامي الشعبي هذا الحديث السادي وقد عبر عنه في المثل الشعبي المصري: "مشورة المرأة لو صحّت تخرب البيت عام، ولو خابت تخرب البيت العمر كله"! و:"تبطل الصلاة إذا مر كلب أسود أو امرأة"... إذن عند الله، جل شأنه، الكلب الأبيض أجل وأكرم من المرأة!. تخصص حزب الحديث، أو"قبيلة حدثنا" كما أسماه جمال البنا في كتابه "جناية قبيلة حدثنا" على الإسلام، في وضع الأحاديث المعادية للمرأة كثأر من أمهاتهم اللواتي وجدوا لهن تجسيدا في شخصية أم المؤمنين عائشة، انتقاما منها لمشاركتها الفعالة في الفتنة الكبرى:فقد حرضت على قتل عثمان قائلة: "اقتلوا نعثلا فقد كفر". ثم لما بويع علي خليفةً عارضت بيعته وبكت عثمان مطالبة بالقصاص من قتلته، حتى قيل فيها: "بالأمس تحرضين عليه واليوم تبكين عليه" (العقد الفريد) .يبدو أن عائشة لم تنس لعلي أنه أشار على زوجها بطلاقها في "حديث الإفك" فحاربته في وقعة الجمل. بمشاركتها في قتل أمير المؤمنين عثمان وبمشاركتها في قتال أمير المؤمنين علي تمثلها الوعي الجمعي لحزب الحديث كـ"أم مفترسة".

المروضون الدينيون والأيديولوجيون هم عادة حالات تعود بالاختصاص الى الطب النفسي؛ فقد كابدوا أطفالاً صدمة الفطام المريعة، وهي تشكل، مع صدمة الولادة وصدمة قطع حبل السرة وصدمة الختان، فانتازم "نارجهنم" في لاشعور الوليد. في الشهر العاشر, شهر الفطام عادة، قالت الأم ذات يوم وهي تسحب ثديها لآخر مرة من فيه: منذ اليوم لم تعد قطعة مني، أنت الآن شخص مستقل عني، فتدبر أمرك وحدك كان الله في عونك... قال سارتر: "الحرية تعطي الدوخة"؛ أما استقلال الفطيم عن الأم، الذي بقي لعام كامل يعتقد أنه امتداد جسدي لها، فيعطيه الاغماء. هذه الأم التي حرمته من الثدي، مصدر حياته منذ أن أبصر النور، تمثلها في خياله "أماً مفترسة"، كما تقول سوسيولوجيا الأعماق، فقرر أن يأخذ ثأره منها كبيراً بعنف رمزي يجعل منه عدو المرأة، كل امرأة، مدى حياته. فهي عنده أحقر من كلب أبيض، لا يقطع الصلاة إذا مر أمامه. ألم تخرجه أمنا حواء ، متواطئة مع الأفعى، من "جنة الرضاعة"، أي من جنة الرضوان؟ وكانت أمه قبل ذلك قد طردته، بصدمة الولادة، من الجنة الأولى: جنة الرحم حيث كان يأتيه رزقه رغداً.

من هنا انتقام الابن العاق من الأم "المفترسة". صحيح، هي جريمة وهمية ورمزية.لكن الجرائم الوهمية والرمزية هي أشد مضاضة على النفس من جميع الجرائم الحقيقية مجتمعة. فشيخ أي مسجد أو مرشد أية حركة من حركات أقصى اليمين الإسلامي، يكون قد كال لأمه الصاع صاعين بجعلها شريكة في جريمة الانتقام من نفسها؛ جعلها هي نفسها تصدق أنها أنجس من كلب أبيض، طالما أن الله هو الذي أخبرها بذلك، في حديث شريف أو آية كريمة. المرأة التي استبطنت رأي جلادها فيها ستقطع على الأرجح صلاتها إذا مر أمامها كلب أسود أو امرأة !. لا يصدق. ولكنه حقيقة!.

في بداية الألفية الثالثة أخرج أقصى اليمين الإسلامي المغربي مظاهرة مليونية ضد مشروع مدونة الأحوال الشخصية المغربية، التي كانت تعِد المرأة بالتحرر من الرقّين الفعلي والرمزي، كان أكثر من نصفها من النساء المتحجبات والمتنقبات، أي اللواتي استبطن حتى النخاع احتقارهن لأنفسهن! هذا هو العنف الرمزي: أن تصبحي ـ أن تصبح ـ جلاد نفسك، أو متواطئاً مع جلادها على مواصلة السير على طريق الآلام على مر الأجيال والعصور.

العنف الرمزي مصطلح سوسيولوجي نحته بيار بورديو، يعني تصديق الضحية لفكرة جلادها عنها.الفكرة التي تسللت إلى رأسها عبر التربية الأسرية والمدرسية والاجتماعية لقّنتها أن الله ورسوله والراسخين في العلم  أجمعوا جميعاً على أنها "ناقصة عقل ودين" وأن "أكثر أهل النار من النساء"!. فهل يبقى بعد ذلك شك لشاكة في أنها مخلوقة من الدرجة الثانية، ومبرمجة فضلاً عن ذلك لارتكاب جميع الخطايا المميتة ومحكوم عليها بأن تدفع ثمن ذلك هواناً في الدنيا وعذاباً في الآخرة جزاء وفاقاً بما قدمت يداها ورجلاها؟.

من دون تصديق الضحية للجلاد ما كانت لتكون هي ضحية ولا ليكون هو جلاداً. ماذا صدقت؟ صدقت أن الجلاد من أهل "الفرقة الناجية" وأن الضحية من سقط متاع الفرق الهالكة. هذا مكتوب على الجبين ولازم تشوفو العين!. قد يقول لها قائل: أليس هذا ظلماً؟ فتردّ الضحية وهي في غاية الانفعال: كلا، ألم يقل الراسخون في العلم: "إن يعذبنا الله فبمحض العدل، وإن يُثبْنا فبمحض الفضل"! التربية الدينية المؤنبة والمذنِّبة أصابت ضحاياها بـ"المازوشية الأخلاقية" le masochisme moral ، أي شعور الكائن البشري بأنه مذنب مع أنه لم يقترف أدنى ذنب !.

هذا العنف الرمزي، الذي لا تعيه ضحيته بما هو عنف، هو الذي يُسوّغ  للسلطة الرمزية، المعروفة والمعترف بها من ضحاياها، دونية المرأة وإدانة كل كائن بشري.وهكذا لا تعود دونية المرأة واقعة تعسفية عارية من الشرعية بل تغدو مشروعة بما هي طبيعة ثانية ملازمة لأنوثتها. بل الأنكى أنها تصبح حكماً شرعياً تأثم المرأة إذا انتهكته وتُثاب إذا طبّقته على نفسها أولاً.الرق الحقيقي هو الذي اُستبطن رمزياً، أي أن ضحيته غدا يشعر أنه يستحقّه. مع العنف الرمزي لا تعود الاشياء تأخذ أسماءها مما هو موجود في الواقع بل مما أوجدته التربية في الذهن. الضحية نفسها تشارك جلادها في مسلسل تعذيبها؛ تماماً كما في المازوشية حيث يناشد المازوشي السادي بأن يكون سادياً معه قولاً وفعلاً؛نعم هو يتعذب ولكنه يتلذذ بالعذاب. في حالتي استبطان المازوشية ومرادفها العنف الرمزي تفقد الأشياء دلالاتها، فقط الانطباع الذاتي عنها هو الذي يُحسب له ألف حساب.

لست أدري إذا كان الشفاء من المازوشية ممكناً، لكن الشفاء من العنف الرمزي ممكن. أعرف نساء كنّ متحجبات عن قناعة دينية لم يسبق التفكير فيها، لكنهن أعدن التفكير في قناعاتهن الدينية في لحظة ما فمزقنه رمزياً كما استبطنّه رمزياً. ما هي هذه اللحظة؟ هي لحظة يقظة الوعي النقدي من سباته الديني؛ هي اللحظة التي يدرك فيها المرء/المرأة أن: " في كل جيل أباطيل يدان بها"، فيقرر/أو تقرر أن لا تدين بها، وأن تنعتق منها. الوعي النقدي هو الذي ينزع طاقية الإخفاء التي يتخفى وراءها دراكولا العنف الرمزي ليمتص دماء ضحاياه إلى آخر قطرة.

هذا الوعي التاريخي النقدي بدأ يتجلى منذ بضعة عقود في اتجاهين تاريخيين متكاملين؛ الاتجاه النسواني العلماني،اتجاه طلائع النساء اللواتي تشبّعن بقيم الحداثة وفلسفتها الإنسانية الكونية، السائدة في العالم الذي نعيش فيه، ولا يرتضين عنها بديلا.ممثلات هذا الاتجاه لا يُحصين عدداً. على سبيل المثال، أذكر منهن في تونس رمزين، بين عشرات، رجاء بن سلامة وآمال قرامي؛ الاتجاه الثاني هو الاتجاه النسواني الإسلامي، الذي قطع مع القراءة الحرفية الرجالية للنص المؤسس، القرآن، وعوّضها بقراءة نسائية ونسوانية له. وهي قراءة حققت اختراقات كبرى، سيكون لها قبل وبعد، في تفكيك المنظومة الفقهية المعادية للمرأة والتي كتبها الرجال للرجال.دشّنت هذا الاتجاه فاطمة المرنيسي بكتابها "الحريم" الذي فككت به أساطير العنف الرمزي المؤسِّس لعداء المرأة في الإسلام. والآن تواصل التونسية ألفة يوسف هذا التفكيك باجتهادات جريئة بقدر ما هي سديدة. يشكل هذان الاتجاهان، مع اتجاه الإسلام المستنير، الحليف الثمين للحداثة في أرض الإسلام. الإسلام المستنير يقوده عشرات بل ربما مئات المجتهدين من المسلمين الاتقياء: جمال البنا نموذجاً. ولا شك أن الاتجاهين النسوانيين واعدان بحصة الأسد في تفكيك أساطير العنف الرمزي.

العنف الرمزي هو قوام السلطة الرمزية ؛ السلطة التي يطيع بها العبيد سادتهم، والنساء رجالهم، والمظلومون ظالميهم. لعل أول من نحت مضمون السلطة الرمزية هو الكاتب الفرنسي Laboétie  في كتابه "خطاب عن العبودية المختارة" (Discours sur la servitude volontaire) كما ترجمه مصطفى صفوان. هذه العبودية المختارة أو الطوعية تبدو لضحيتها أمرا طبيعيا ، أي قانونا من قوانين الطبيعة أو، بالمصطلحات الإسلامية، فطرة الله التي فطر الناس عليها؛ عندئذ لا تعود مثيرة للاستنكار وتالياً للتمرد الممكن عليها. بل العكس هو العجب، هو المثير للاستنكار: استنكار الضحايا لإدانة مظالم جلاديهم. لماذا؟ لأن مظالم جلاديهم لم يلتقطها رادار وعي المظلومين كمظالم بل كسلطة شرعية في خدمة الضحية: المرأة التي تناشد جلادها أن يرجمها لأن العنف الرمزي سحقها بمشاعر الذنب والعار من التصرف في جسدها في لحظة نزوة أنستها أن جسدها ملك حصري لغيرها! فجاءت تطالب برجمها تكفيراً عن هذا الذنب العظيم. كل عنف مهما كان سافرا يحتاج الى جلاد لـ:"يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن "كما قال عثمان، كما يحتاج إلى مفتٍ يسوّغ بالقرآن ما لا تسوّغه سطوة السلطان وحدها. المفتي يضفي الشرعية الدينية على فعل الجلاد بتجفيف ضميره الأخلاقي بالفتوى، وهذا ما يفعله فقهاء الإرهاب مع ضحاياهم من المثقفين الأحرار. لا ضرورة لأن تكون السلطة الرمزية الظالمة شخصا، بل يمكن أن تكون مؤسسة أو ايديولوجيا أو دينا يحظى بالرضا الجمعي، أي بالعنف الرمزي الذي استبطنه الوعي الجمعي.
أعطى بورديو مثلا تافها في الظاهر لتسويغ السلطة الرمزية وعنفها: "لا تمسك السكين باليد اليسرى"! ألا يذكرنا هذا بـ:"ادخل الجامع بالرجل اليمنى والمرحاض بالرجل اليسرى كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم"؟ والحال أن المرحاض (=الكنيف) لم يعرفه العرب إلا في العهد الأموي تقليدا للبيزنطيين! حسب الضحية استبطان هذا الأمر التافه ظاهريا لتستبطن بعد ذلك تسليم رجليها للجلد وجسدها للرجم... هذا هو المنطق الذي يحكم علاقة السيد بالمسود والجلاد بالمجلود والظالم بالمظلوم.

علاقة الخضوع الطوعي هذه تنزع عنها السوسيولوجيا المعاصرة، الحاملة للوعي النقدي، وجهها المستعار. لم يُقل عبثاً" إن المعرفة محرِّرة" من الأحكام المسبقة ومن أساطير الأولين والآخرين. العنف الرمزي ليس مسؤولا عن جعل المسلم يستسلم لغريزة الموت الثاوية في لاشعوره الذي دمرته التربية الدينية المؤنِّبة والمذنِّبة وحسب،بل مسؤول أيضاً وخصوصاً عن عزوف المسلمين العرب، جمهوراً ونخبة، عن الصعود إلى قاطرة الحداثة بما هي تقليد مجرّم ومحرّم لغير المسلمين كما لقّنهم ذلك الناطقون باسم إسلام الولاء والبراء الذي ابتلع كل إسلام آخر منذ القرن 12 م.

سأل الكاتب المصري، السيد ياسين، وكان على رأس وفد مصري في طوكيو، رئيس الوفد الياباني: كيف سمح لكم دينكم باقتباس الحداثة الغربية؟ فأجابه مستغرباً: "وما دخل الدين في ذلك؟!" .سيدخل العرب الحداثة عندما تقول نخبهم وأوعى قطاعات جماهيرهم ما قاله رئيس الوفد الياباني. وذلك طبعاً بعد أن يعوا ضرورة تقليد "الكفار" في مؤسساتهم وقيمهم وعلومهم "التي فيها مصلحة لنا".

كتب مدير معهد وجامع باريس، دليل أبو بكر، أن الملك فهد دعا علماء المملكة لإعطائه فتوى بإدخال الدش (=الصحن اللاقط لبث الفضائيات) فأفتوه :"ليس الدش من القرآن في شيء". استبقاهم للدردشة وأوعز لمعاونيه بأن يضعوا في مكان كل سيارة مرسيدس من سياراتهم جملاً. ثم ودّعهم. فلما اكتشفوا المقلب عادوا إليه متسائلين: "أين سياراتنا؟" فأجابهم: "ليس المرسيدس من القرآن في شيء"! عندئذ حللوا له إدخال الدش. مهزلة استفتاء  "العلماء" الذين يجهلون كوعهم من بوعهم في إدخال الحداثة إلى ارض الاسلام مستمرة منذ القرن الـ 17 ؛ فقد أفتى العلماء إياهم بتحريم شرب القهوة واعتمار البرنيطة وغيرهما من منتجات الحداثة، فضلا عن قيمها وعلومها، عشرات المرات ومازالوا يفعلون.

العنف الرمزي الديني جعل المروضين الدينيين مدافعين لا تلين لهم قناة عن حقوق الله ومعادين لا يُشق لهم غبار لحقوق الإنسان المنتهكة والجديرة بالانتهاك!. فلا عجب أن يكشف استطلاع أجرته مؤسسة أمريكية في أوائل 2011 أن 82 %من المسلمين المصريين لا يرون مانعا من رجم الزانية، و84 % يحبذون قتل من يغيّر دينه أي المرتد!. في 1956، تاريخ صدور مجلة الأحوال الشخصية، عرفت تونس جفافا أهلك الزرع والضرع. فقال شيوخ الزيتونة إن ذلك عقاب من الله لنا على قبولنا لهذه القوانين المارقة !. رد بورقيبة عليهم بخطاب إذاعي جاء فيه: "محمد الخامس لا تفوته ركعة ومع ذلك سخطته الطبيعة بزلزال أغادير" إذن لا علاقة للجفاف ولا للزلازل بالدين، إنها مجرد ظواهر طبيعية....

فما العمل لتحرير رؤوس المسلمين من سرطان العنف الرمزي؟

بتدريس مشروع إصلاح الإسلام: "انظر العفيف الأخضر:دراسة الإسلام وتدريسه بعلوم الأديان"، وخاصة بتعميم حقائق تاريخ الأديان المقارن في الإعلام وفي التعليم ما أمكن ذلك. فقط عندما يعرف المسلم ، عبر تاريخ الأديان المقارن، أن معظم شعائره وعقائده ومحرماته متحدرة إليه من الأساطير والديانات الوثنية الميتة كالبابلية والمصرية، عندئذ يصبح قادرا على تنسيبها وترميزها وتنزيلها في التاريخ. وهكذا يتخلص من وطأة شحنتها النفسية التي تعيق فيه اليوم كل حس نقدي وتقتل فيه ثقافة السؤال.

علوم الأديان، وخاصة تاريخ الأديان المقارن، كفيلة بتحرير عشرات ملايين العبيد والإماء، الذين قايضوا حريتهم بعبوديتهم المختارة في أرض الاسلام وباسم الاسلام. بتسليحهم بالوعي التاريخي النقدي، هذا الديناميت الناسف لأساطير العنف الرمزي: عندما يقدم الاعلام الجماهيري المستنير أو التعليم العام التنويري، من منظور تاريخ الأديان المقارن، اسطورة خلق الآلهة السبعة للعالم في سبعة أيام سواء للسائلين كما روتها الأسطورة البابلية ثم انتقلت منها، عبر ترجمات يهود السبي البابلي، الى اليهودية والإسلام ومقارنة ذلك بتكون الكون في رواية الفيزياء الفلكية في كسر من الثانية لحظة الانفجار الكبير؛ بالمثل، تقديم اسطورة خلق آدم وحواء في الأساطير السومرية وغيرها ومقارنتها بحقائق علم البيولوجيا عن تكون الحياة من البكتيريا الوحيدة الخلية في المحيط البدئي منذ حوالي 4 مليار سنة... وانفصال القرد-الإنسان عن ابن عمه الشامبنزي منذ حوالي 6 مليون سنة ...

ويقدم له اسطورة تدمير مدينة لوط واسطورة طوفان نوح كما جاءت في ملحمة جلجامش التي كتبت بالخط المسماري في القرن 18 قبل الميلاد أي قبل ظهور الديانة اليهودية بقرون... ويقارن الحجاب الإسلامي بالحجاب الوثني كما قنّنه القانون الآشوري في القرن 12 قبل الميلاد (انظر العفيف الأخضر: "هل الحجاب الإسلامي وثني؟" على عديد المواقع)، ومقارنة القصاص الشرعي الإسلامي بالقصاص البابلي في مدونة حمورابي في القرن الـ18 قبل الميلاد...

إصلاح الإسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان عبر مدارس انترناتية أو فضائية هو الرد السديد على المدرسة الإسلامية الظلامية المتوقعة حتى في تونس، وبالتأكيد في مصر وباقي البلدان التي ستمر بها قاطرة الانتفاضة التي سيتسلل إليها أقصى اليمين الطالباني والسلفي، ليتعلم الحجامة في رؤوس اليتامى!.

عندما يعي مسلمو اليوم والغد، بالإعلام والتعليم، أن معظم شعائرهم وعقائدهم منحدرة إليهم من الديانات الوثنية، عندئذ سيتصالحون معها بما هي رموز ثقافية فرضها قانون التلاقح الثقافي المحتوم بين الثقافات والديانات.وعي الأساطير والرموز الدينية على حقيقتها والتصالح معها بما هي كذلك هو ترياق التعصب والإرهاب الشائعين اليوم في أرض الإسلام.

اسمعوا مني هذه الوصية وسمّوها أبوية إن شئتم: إذا لم تصلحوا الإسلام، بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان، فستظلون محكوما عليكم بإعادة نفخ عجلة مثقوبة تعوّلون عليها لركوب قاطرة الحداثة؛ وستبقون قابعين في مستنقع التأخر التاريخي الذي سقطتم فيه منذ ثمانية قرون!.

-----------

* العفيف الأخضر - ولد عام 1934 في مكثر التونسية؛ هو مفكر تونسي مثير للجدل؛ تلقى تعليمه بجامع الزيتونة في الخمسينات، ثم بمدرسة الحقوق ليعمل بعد ذلك محاميا فيما بين 1957و1961، وشارك في الدفاع عن صالح النجار الذي حكم بالإعدام بسبب تهمة محاولة اغتيال الحبيب بورقيبة؛ غادر البلاد بعد ذلك نحو باريس ثم نحو المشرق العربي ليقيم في بيروت، واختلط هناك بالعديد من الوجوه المثقفة والمسيسة العربية والفلسطينية خاصة. ثم عاد إلى فرنسا حيث يعيش منذ سنة 1979. قام بترجمة بيان الحزب الشيوعي؛ تأثر بكتابات عبد الرحمن الكواكبيوشبلي الشميلوطه حسينوقاسم أمينولطفي السيدوسلامة موسىوأحمد أمين. المصدر:  الحوار المتمدن – www.ahewar.org - العدد: 3386 – 4.6.2011.

 

 

6/13/2011