מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

حكايتي مع حزب الله واغتيال الحريري

بقلم: دلور ميقري*

 
كنتُ، بلا أيّ ادعاء، أول من اتهمَ حزب الله باغتيال الرئيس رفيق الحريري، علاوة على آخرين من رموز ثورة الأرز.
ففي مقال لي، ساخر، بعنوان "دليل القاريء إلى القتلة"، والذي نشرته على حلقتين في "ايلاف"، أولاً، أوردّتُ اشارة لحسن نصر الله بقوله، ضمن حوار مفترض: " وطلب مني الاشتراك بالمحاولة.. أقصد، بالمحاورة ". ضمير الفعل، في الجملة تلك، كان يعودُ لبشار الأسد. إنّ لعبي على المفردتين، المتشابهتين لفظا، "محاولة / محاورة"، كان يحيلُ إلى واقع سياسيّ وجنائيّ في آن: فالمحاولة، كانت تعني تخطيط،ومن ثمّ، تنفيذ عملية اغتيال الحريري. أما المحاورة، فكانت تعني، بالمقابل، رغبة الجاني بذرّ الرماد في العيون، عن طريق الاشتراك فيما اطلق عليه في حينه بطاولة الحوار اللبناني.
هذا المقال، المنشور أولاً في عام 2006، تبعته بمقالات اخرى عن الوضع اللبناني. منها مقال بعنوان "نصر الله والعصاب الفاشي للأصولية الاسلامية"؛ حيث ورد فيه بما معناه، أنّ من يصرّح، علناً، بضرورة تطبيق فتوى الخميني بقتل الكاتب سلمان رشدي، فإنه يعترف، ضمنا، بانه هوَ من أعطى أمرَ اغتيال كتاب لبنانيين؛ من أمثال حسين مروة ومهدي عامل وسمير القصير وغيرهم.

جدير هنا بالتنويه، أنّ ردّة فعل جماعة نصر الله، خصوصاً على مقالي الأول، كانت متشنجة للغاية؛ سواءً بسواء أكانت عن طريق التعليقات أو الايميلات. وقد وصلَ الأمرُ، حدّ تهديدي، شخصياً، بالرسائل الالكترونية، المتتالية، وبمكالمة هاتفية، ارهابية. عند ذلك، نصحني بعض الأصدقاء أن أقوم بتبليغ البوليس. قدّمتُ الايميلات في قسم الشرطة بمدينة اوبسالا، اين أقيم. وبالرغم من أنّ الايميلات تلك، المعنية، كانت مترجمة للسويدية، فإنّ جوابَ المحقق، وكانت امرأة: "أعتقدُ أنهم لن يتهددونك بعد، فيما لو كففتَ عن الكتابة ضدهم.. أليس كذلك؟؟". بيْدَ أنني، للحقيقة، تفجأت بعد ذلك بأشهر، عندما اتصل معي أحدهم من العاصمة، ستوكهولم، لكي يخبرني بأنه سيكون على اتصال معي، في أيّ ضرورة تتعلق بسلامتي الشخصية، طالما أن اسمي قد اضيف لسجلات الشرطة مع صحافيين، آخرين، من اصل ايرانيّ ويحملان الجنسية السويدية.

لا بدّ، أيضا، من الإشارة، إلى أنّ ذلك قد ترافق مع ورود الايميل، تلوَ الآخر، من شخص أطلق على نفسه اسم "الدكتور محمد البيرقدار". هذا الشخص، كان يتهددني بالكفّ عن كتابة المقالات ضدّ النظام السوري والمقاومة اللبنانية ـ بحسب تعبيره؛ وإلا، فإنه سيردّ عليّ بمقالات قال أنها "ستفضح سيرتي الشخصية والعائلية".. الخ. وبما أنني، بطبيعة الحال، لم أتوقف عن الكتابة ضد جماعته، فإنّ المدعو د. البيرقدار نفذ تهديده الصفيق، السفيه. ويبدو من إحدى كتاباته، لاحقا، أنّ موقع "الحوار المتمدن"، من بين مواقع عدّة، لم تنشر هراءه وتلفيقاته ضدي. وكان مستغرباً، لي شخصياً، أن "يتفرّد" موقع أدبيّ بحت، هوَ "جهة الشعر" بنشر تلك الكتابات / التهديدات ؟؟

وبما أنني كنتُ، آنذاك، من الكتاب المشاركين في رفد "جهة الشعر" بكلّ جديد، شعراً ونثراً، فلم أجدُ تفسيراً لنشر هكذا بذاءات ضدي. اللهمّ، سوى أنّ للأمر خلفية مقيتة، طائفية: إذ أنّ "فضح" كاتب، مثلي، يُجاهر بعداوة حزب الله، فضلا عن مشاريع ايران الملالي، ربما وجدَ هوىً لدى رئيس التحرير، البحرينيّ الجنسية ؟؟

ومن أسخف ما واجهته، كتحصيل حاصل لمواقفي تلك، هوَ أن يعمدَ رئيس تحرير "جهة الشعر" لفتح ملفّ عن حرب لبنان في حزيران 2006، تحت عنوان "قلب لبنان":  فهذا العنوان، كان لمقالة لي ارسلتها للموقع، وقبل ذلك للقسم الثقافي بجريدة النهار اللبنانية. مسؤولة القسم، وهي شاعرة لبنانية معروفة اعلاميا، كانت للحقيقة من أسهمت بذلك الملف المذكور، بعدما كانت قد امتنعت عن نشر مقالتي "قلب لبنان"؛ التي خصصتها للحديث عن "زميلة " لها، وهي الاعلامية مي شدياق.
ولكي لا أعود، ثانية ً، لموضوع "جهة الشعر، فإنه لا بدّ لي من القول، بأنني تأكدّتُ من النية المبيتة ضدي، من لدن رئيس تحريره، عندما صار يرفض، المرة تلوَ الأخرى، نشرَ المواد التي كنت ارسلها على ايميل موقعه. وقد حقّ لي مقاطعة الموقع، عندما أجابني صاحبه، قبل حوالي ثلاثة اعوام، بايميل مقتضب، جاف: "الملف الذي ارسلته لنا عاطلٌ"؛ وبدون ان يوضح لي، أهوَ عاطلٌ فنيا ام تقنيا؟؟

وعودة إلى علاقة حزب الله، الجنائية، باغتيال الرئيس الحريري.

فالواقع أنّ ردّة فعل هذا الحزب، العنيفة جدا، على تسريبات صحيفة ّ "دير شبيغل"، الألمانية، والخاصة بمحاضر الاتهام بشأن قضية الإغتيال، إنما يعزز ما كنتُ قد أوردته، آنفا، عن تجربتي بهذا المجال. فعلى حدّ تعبير المثل، الشائع: "يكاد المجرم ان يقولَ خذوني"؛ كان تصرّف "المجرم" حسن نصر الله. فهذا الإرهابيّ، الذي وصفته مقالاتي دوماً بصاحب العمامة السوداء واللحية الشمطاء، اظهرَ بخصوص التسريبات تلك، سعاراً لا مثيل له، عبّر عنه باطلالات متلفزة عدّة، ليصرّحَ بأنّ الأمرَ لا يعدو عن كونه مؤامرة على المقاومة وزرع بذور الفتنة في لبنان.. الخ.

منطقيا، كان يجدرُ بحزب الله، وزعيمه، أن ينتظرا نتائج التحقيق، الرسمية، لا أن يبنيا موقفا انفعاليا، حدّ وصف المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الحريري، بأنها "مسيّسة"، وبالتالي، لا علاقة للبنان بها ـ على حدّ تعبيرهم. ولكننا، عطفا على تحليلنا للدافع النفسيّ للمجرم، نفسّر ردّة فعل نصر الله، الموصوفة، بكونه اراد استباق نشر التقرير الجنائي، عن طريق الحملة ليس فقط على المحكمة الدولية الجنائية، بل وعلى المجتمع الدولي برمته هيئاتٍ وحكومات ورأيَ عام. على ذلك، لم يكن غريباً أن يتهدّدَ حزب الله اللبنانيين، عن طريق وضعهم أمام خيارين، لا ثالث لهما: إما تطبيق العدالة، أو الحرب الأهلية. مستبقا تهديده، كالعادة، بتلفيق ما أسماه قضية "شهود الزور"، حدّ أن يَجعلَ الضحية مذنباً، متهماً، مطالباً القضاء اللبناني بالقبض عليه وتقديمه للمحاكمة ؟؟

هذا الأسلوب التضليلي، الديماغوجي، مارسه النظام السوري طوال الأعوام الماضية؛ التي سبقت تسريبات الصحيفة الألمانية.
وإذ اعتقد الأسد، الصغير، أنّ حظه، كبير، بتحوّل الاتهام جهة حزب الله، إلا أنه لم ينتش بفوزه طويلاً. الربيع العربيّ، بدأ يطرق أبواب الشتاء البعثيّ، الطويل، والممتدّ بزمهريره وكآبته لحوالي نصف قرن من الزمن. الثورة السورية، العظيمة حقا بكلّ المعايير وطنيا وانسانيا، أخذت تهز عرشَ وريث آل الأسد.

لا غروَ، والحال كذلك، أن يُخرج النظام السوريّ قاموسه نفسه، المتهريء البالي، المعنون بـ "المؤامرة والفتنة"؛ تماماً كما كان حال حليفه، الحزب الإلهيّ. ومثل هذا الحليف، الإرهابيّ، فإنّ نظام الأسد، الفاشيّ، راحَ عبرَ أبواقه ومسؤوليه، يتهدّد المجتمع السوريّ بالحرب الأهلية، مخيّراً إياه مع "الاستقرار"؛ أي ديمومة تسلطه، الأبديّ.

ومن النافل هنا التأكيد، أنّ هروع حسن نصر الله، المرة تلوَ الأخرى، بتوجيه خطابه، مباشرة ً، للشعب السوريّ، داعياً إياه للهدوء وتأييد الحكم المتسلط؛ هذه الخطابات، إنما هيَ، في آخر الأمر، تهديدٌ ارهابيّ، مبطن، بأنّ حزب الله سيتدخل عاجلاً أو آجلاً في الشأن الداخليّ لسورية. وكما كانه أمر "شهود الزور"، فإنّ أبواق حزب الله، ومسؤوليه، استهلوا حملتهم الأخيرة، ضد الثورة السورية، بالادعاء أنّ فريق 14 آذار يتدخل في شؤون البلد الجار، الشقيق.

وإذا كانت الثورة السورية، التي دخلت شهرها الرابع بقوة وزخم وصلابة، قد عجّلت في تشكيل حكومة "الطائفة المختارة"، الواحدة، في لبنان؛ فإنّ نموذجها في سورية، المترسّخ الجذور منذ أكثر من اربعين عاما، قد بدأ بالتصدّع والانهيار، وصوله لسقوطه التام، الحتميّ.

وما "عسكرة" الثورة السورية، من قبل النظام الأسديّ المستبدّ، سوى استهلاله بمحاولة تفجير الحرب الأهلية، متوّهماً أنه بذلك يراهن على القوى الاقليمية والدولية في انقاذه من السقوط الأخير.  وما سيجعل النظام مصراً أكثر على الحلّ العسكريّ / الأمنيّ، أنّ المحكمة الدولية بخصوص اغتيال الحريري ستطال رموزه في أعلى الهرم، طالما أنّ المتهم الرئيس هوَ صنيعته، اللبنانية، وأنّ جريمة الاغتيال حصلت أثناء احتلاله للبلد.

--------------

* دلور ميقري - كاتب وفنان تشكيلي من سورية؛ المصدر: الحوار المتمدن – www.ahewar.org - العدد: 3413 – 1.7.2011.



 

 

7/4/2011