מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

أصوليات يسارية

بقلم: هشام نفاع*

كانت إحدى النتائج الفورية لثورة الشعوب العربية الممتدة على أقطار عدة، بداية انهيار أفكار ومعتقدات لعبت دور القيد المحيط بالتفكير السياسي. من بينها المعتقد التالي الذي تعاونت جهات عدة على إنتاجه وترسيخه: العرب بين نارين فإما الدكتاتوريات وإما الأصوليات، فقط لا غير. أي أنه ليس هناك أفق من الحرية والكرامة للعرب، وهكذا تم الحكم على شعوبنا بنهاية من النوع المتواصل الذي لا ينتهي، وكأننا سيزيف.

هذا المعتقد بحد ذاته هو معتقد أصولي، فهو لا يبقي مساحة من الحرية بين النص وبين انطباقه المُطبق، ولا بين الخيارين المطلقين اللذين لا ثالث لهما ضمنه، ولا يبقي أيضًا مجالا لإرادات حرة بل يجعل العربيّ مسيّرًا بشكل جوهرانيّ وكأنه كائن يقع خارج التاريخ وتفاعلاته مفاعيله.

بطبيعة الحال، هناك مصالح خلف تكريس هذه الأسطوريّة. فقد خدم هذا المعتقد النظام العربي الذي اكتسب صورة “السدّ أمام الارهاب” بنظر الرأي العام الغربي المحكوم ببروباغاندا لئيمة تشكل “الإسلاموفوبيا” أحد أقوى عناصرها، وهو ما يُضاف الى تاريخ طويل من إنتاج صورة مُشيطنة لكل ما هو غير أبيض من سكان المستعمرات السابقة.

راحوا يستخدمون معتقد الثنائية المطلقة الغبيّ هذا لمواجهة “مؤامرة امبريالية” يصرّ النظام السوري على وجودها بالرغم من أن الامبريالية لم تفقد الأمل فيه

الحركات الأصولية استفادت هي الأخرى من هذا المعتقد حين اكتسبت، وعملت على تسويق، صورة “البديل” عن النظام القمعي العربي، وهو ما رفع من شأنها لدى طبقات شعبية واسعة فقدت الثقة تمامًا بحكّامها وحاكميها، ولم يُبق الإحباط أمامها من نوافذ سوى تلك المشرّعة على السماء…

كذلك، فإن قادة النظام الامبريالي استخدموا هذا المعتقد لتبرير الكثير، بدءًا بدعمهم أنظمة معادية لأبسط القيم الديمقراطية التي تتباهى عواصمهم الغربية بها، من دون أن تتهدد هذا النظام تهمة النفاق، مرورًا بتكريس سياسات التدخّل والهيمنة ووصولا إلى شنّ حروب قذرة مأربها المال وغطاؤها مزاعم القيم والأخلاق.

بين هؤلاء المذكورين برز غياب لاعب أو لاعبين قادرين على تقديم أداء متناغم يخدم حاضر ومصالح الشعوب العربية. أقصد قوى يسارية وليبرالية وعلمانية مختلفة منظّمة، قد يفرّقها الكثير على المدى البعيد، لكن لا مفرّ أمامها من التحالف على المديين الفوري والمتوسط.

هنا، جاءت تحرّكات ثورة الشعوب العربية، متفاوتة المساحة والتركيبة والأداء، لتُظهر أن معتقد الثنائية المطلقة هذا ما هو إلا وهمٌ طال تحكّمه وآن الأوان لرميه خلف الظهر، بعد دوسه ربما، ثمّ المضيّ قدمًا. فقد شاهدنا في مصر كيف نشأ تناغم مدهش بين قوى شبابية ليبرالية مثقفة ونقابات ومنظمات عمالية ومهنية عريقة وأخرى تنظمت في ظل المد الثوري، وأحزاب قديمة امتدت من الشيوعي وحتى المحافظ والاسلامي. واتضح ما يجب أن يتضح منذ زمن طويل: يجب تهشيم المعتقدات الثنائية المطلقة التي تُطبق كالكماشة على الإرادة والحلم وتخلق حالة حصار مستديمة وتصيب شعوبًا بأكملها بالشلل.

ولكن المفاجأة هي أنه سرعان ما تبيّن قيام بعض اليساريين والعلمانيين العرب بالارتداد عن هذا  الكفر المبارَك بذلك المعتقد الأصولي، الذي يحطّ من شأن الانسان العربي ويجعله مفعولا مطلقًا به ومنزوع الارادة تمامًا، بل قد تبنّوه مجددًا وراحوا يلوّحون به بغير قليل من الضجيج. وتبدّى هذا الموقف خصوصًا في حالة انطلاق الانتفاضة السورية. هنا تجندت أصوات يسارية وعلمانية عجيبة في صفوف ماكينة الدعاية السورية التي لا تهدف إلا الى إطالة عمر النظام الحاكم والطفيليات الأمنية والمالية المرتبطة به ولو بثمن قتل ألوف من السوريات والسوريين الأبرياء.

لكن يساريّي وعلمانيّي نظام الأسد البوليسي تفوقوا على أنفسهم حين أتحفونا بإبداع تكتيكي يُشار إليه بالبنان.. فهم راحوا يستخدمون معتقد الثنائية المطلقة الغبيّ هذا لمواجهة “مؤامرة امبريالية” يصرّ النظام السوري على وجودها بالرغم من أن الامبريالية لم تفقد الأمل فيه ولا تزال تتوقع منه صراحةً وعلانيةً “إصلاحات”، بل وترسل اليه رسائل مطمئنة مفادها استحالة استخدام القوة الخارجية ضده (راجعوا تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون والسكرتير العام لحلف شمال الاطلسي اندرس فوغ راسموسن على امتداد الفترة المنصرمة). لكن هذه الحقائق التي يُفترض أن تدعو النقديّين للتساؤل، على الأقلّ، لم تزعزع الايمان المطلق لدى اليساريين الأسديين، وهو إيمان من نوعٍ ربما بات يثير الحسد من نظام الأسد لدى جميع زعماء الأصوليات في العالم من كل الأديان والنزعات والفئات!

فالنظام السوري يختبئ، الى جانب العصابات المسلحة، خلف ادعاء التآمر الخارجي. وهذا ليس جديدًا. فمن المعروف لكل من يتابع الشأن السياسي أن واشنطن وحلفاءها يسعون دائمًا لتصميم المنطقة وفقًا لمصالحهم. هذا هو حال العالم بأسره وليس منطقتنا فحسب. هذا من “طبائع الامبريالية” لو جاز التعبير. سوريا أيضًا موضوعة على المهداف الامبريالي وليس منذ اليوم. النظام السوري نجح في البقاء خارج صورة التدجين التام. وفي عهد طغيان عقيدة الليبراليين-الجدد الأمريكيين الأصولية المتمثلة بـمحوريّ “الخير والشر”، وُضعت دمشق في خندق الشرّ. لكن ما يجب الالتفات اليه هو أن هذا لم يمنع تعاون النظام السوري مع المخابرات الأمريكية، خلال الفترة نفسها، في التحقيق مع المعتقلين المسلمين الذين اختطفتهم واشنطن خارج القانون ضمن فيلم “الحرب على الارهاب”. (وفقًا لمصادر عدة منها مثلا تحقيق لمجلة “تايم”، أكتوبر 2006). كذلك فيجب تذكير من يحذّرون من مصير محيق بسوريا يشبه مصير العراق، بأن النظام السوري دفع بـ 14500 جندي في الحرب الأمريكية على العراق (للمقارنة فرنسا، عضو حلف الناتو، وإحدى الدول المؤسسة فيه في نيسان 1949، شاركت بفارق قليل جدًا في هذه الحرب، 18000 جندي!). هذا التعاون العسكري في التسعينيات يتواصل اليوم بوصفه “تعاونًا هادئًا” بين دمشق وواشنطن بشأن العراق.

بالمناسبة، من يستخدم الخشية من نموذج العراق لتبرير توليه الدفاع عن نظام دمشق، لا يميّز أننا نتحدث عن حدثين في سياقين مختلفين تمامًا. اختلاف السياق ليس زمنيًا، بل مردّه هذا الربيع العربي الثوريّ المشرق؛ هذا التطوّر النوعي الهام في واقع العرب الحديث، إن لم يكن الأهم.. طبعًا إلا إذا كان هؤلاء سيدّعون أنه لا توجد ثورة ولا يحزنون! وعليهم الانتباه الى أن هذا ما يقوله عمليًا بالضبط جميع مجرمي الأنظمة العربية..

 

كاريكاتير - ناجي العلي (1937-1987)

 

أكثر ما يصعّب النقاش مع المجنّدين اليساريين في حرب نظام بشار الأسد على الشعب السوري هو الادعاء التالي: نحن لا نعرف ما الذي يجري هناك حقًا، أهي ثورة فعلا أم تمرّد لعصابات مسلحة أم مؤامرة يختلط فيها الاقليمي بالدولي لتقويض نظام الممانعة؟ لا أستخفّ أبدًا بهذا الادعاء. لكني وإن اتفقت معهم على التشخيص فإنني أختلف بشدة في الاستنتاج. لأن من يعرقل وصول معلومات أكثر عن حقيقة ما يجري، هو نظام الأسد وصحبه من عسكريين ومستثمرين ومُستثرين! لو كان النظام يحارب عصابات، كما يزعم، ألا يفترض المنطق أن يكون معنيًا بأن يشاهد العالم بأسره ما يتعرّض له؟ فلماذا لا يسمح لصحفيين مختلفين بتغطية ما يجري؟

وإذا كانت هناك سلطة تمنع عنكَ المعرفة فإنها تملك بالضرورة مصلحة في ذلك؛ المعرفة ليست أداة لدى السلطة فحسب بل انها نفسها تتحوّل الى سلطة. إذًا فنظام بشّار الأسد الذي يُفترض أن يفتح المشهد على مصراعيه أمام الكاميرا والميكروفون ليكشف – بموجب زعمه – فظاعة العصابات التي تخرّب بلده، يقوم بالنقيض التام: إنه يُخفي شيئًا وأشياء، يحجب عنا رؤية أمر ما. هناك حجب/ منع/ حظر/ تقييد/ فلترة للحقائق على الأرض. وهذا هو أحد أطياف الكذب. هذا النظام يكذب.

نسأل المنحبّكجيّه اليساريين: ما هو المعيار الاخلاقي والسياسي الذي يتقرّر بموجبه الصمت على قتل/قنص متظاهرين بزعم أن ماكينة الممانعة شغالة بنشاط زائد؟!

مع ذلك، فمن يريد فعلا معرفة ما يجري بوسعه بذل الجهد لذلك. المعرفة هنا واجب أخلاقي. يجب الخروج من ثنائية “الجزيرة – الدنيا”. ليس بمعنى عدم مشاهدة القناتين، بل بمعنى الخروج من فكرة أن الحقيقة واحدة ومقدّسة وهي لدى أحداهما فقط بالضرورة، فإذا صدّقتَ الأولى صرت كافرًا وفقًا للثانية وبالعكس. هذا التفكير مثير للإحباط لشدة ما ينطوي عليه من كسل ذهني غير مبرّر. وسائل الاعلام لا تقدم لنا “الحقيقة المطلقة”. إنها تقدم معلومات، يُفترض التفكير بها وبشكل عرضها وتصميمها. هناك مصادر كثيرة للمعلومات يجب الاجتهاد لمتابعتها. مصادر غير رسمية وكتابات وصور وفيديوهات منتشرة في الشبكة لا مبرّر لتلقّيها كلها كخلاصات ناجزة، ولكن بما أننا ندعي حمل عقول في رؤوسنا، فعلينا إجراء مقارنة وقياس وتوليف قبل الاستنتاج، وبدون انتظار المعلومة المرزومة رزمًا.

ظننتُ أن الاعلام الرسمي السوري – ككل اعلام سلطويّ ديكتاتوريّ- هو من الضحالة بل التفاهة بحيث أنه لن يُقنع أحدًا. خصوصًا من يحملون إرث كارل ماركس النقدي ومفسّريه. لكن بعض الكتابات والنقاشات التي نتابعها تدلّ على أن عددًا من المحنّكين المجرّبين اليساريين قد ابتلعوا الطّعوم بشهية سافرة. وهذا على الرغم من إقرار النظام نفسه بتفاهة منهجه الاعلامي الرسمي حين قرّر اقالة كبار موظفي التلفزيون السوري وعلى رأسهم مديرته ريم حداد! هذا الاعلام سوّق منذ اليوم الأول رواية واحدة: مؤامرة ثنائية علينا من الداخل والخارج. وفي الوقت نفسه تم تغييب أولى شرارات الثورة السورية: اعتقال وتعذيب فتية من درعا، وأهاليهم لاحقًا، لأنهم كتبوا شعارات “الشعب يريد إسقاط النظام” على جدران بيوتهم الفقيرة. وقد أشعل هذا غضبًا عارمًا، أقرّ به النظام أيضًا حين أصدر قراره بإقالة محافظ درعا ومدير أمنها، ثم القرار بمنعهما من السفر للخارج لاحقًا. ألا يجب استنتاج شيء من هذا؟!

الشباب السوري التواق لما يتوق له من حرية كل شابة وشاب في هذا العالم، اختار بكثير من السخرية والمرارة إسمًا لمناصري النظام المردّدين “منحبك يا بشار”: سمّاهم “المنحبّكجيّه”. ويجب علينا، انطلاقًا من تبعات الزمالة على الأقل، أن نسأل المنحبّكجيّه اليساريين: ما هو المعيار الاخلاقي والسياسي الذي يتقرّر بموجبه الصمت على قتل/قنص متظاهرين بزعم أن ماكينة الممانعة شغالة بنشاط زائد؟! وما هو المقياس العلمي الذي يجيز تلوين الصورة السياسية بلونين كلاهما داكن، بحيث يتم اخراج النظام سالمًا غانمًا ممانعًا ثوريًا مشكورًا بل ويستحق خوض المعارك حفاظًا عليه وعلى قناصته ومخابراته وشبيحته والمستفيدين الأشاوس من بنيته الاحتكارية سياسيًا واقتصاديًا؟ ما هي المرجعية السياسية والفكرية والأخلاقية لمثل هذا السلوك الأصولي الذي ربما كان ماركس سينتحب بمرارة لو عايشه؟!

في أولى أيام الثورة المصرية العظيمة صرّح السياسيّ البريطاني المجرم توني بلير أنه “يجب علينا ادارة ما يجري”. وقدّ ردّ عليه الفيلسوف الشجاع والمشاكس سلافوي جيجيك (عبر قناة الجزيرة انترناشينال)،  قائلا: إن القوة الغربية تريد بعض التغييرات ولكن مع إبقاء الوضع العربي العام على حاله. بلير ومن هم على شاكلته ينكرون على العرب إمكانية العيش في حرية وديمقراطية. لكن ما يحدث في تونس ومصر وغيرهما هو ثورة من أجل الكرامة والحرية والحقوق الأساس والديمقراطية، وهم يقومون بهذا بأفضل مما نقوم به نحن في الغرب.. أنا فخور من أجلهم. فما يحدث هنا هو الكونية بحد ذاتها. ليست كونية الخطاب التافه حول “كلنا رائعون”، بل كونية النضالات. هذه هي الكونية التي تجعلنا متضامنين فورًا مع هذه الثورة العربية. ففي اللحظة التي تجري فيها مواجهة الطاغية، يجب أن نصبح متضامنين على الفور.

فهل يتدارك البعض مواقفه ويعيد فيها النظر؟!

------------

* هشام نفاع - صحفي وكاتب, حيفا؛ المصدر: قديتا, ثقافة وسياسة - http://www.qadita.net  - 7 يوليو-تموز 2011.

 

 

 

 

 

 

7/11/2011