מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

في ذكرى ناجي العلي (1938-1987)

الفنان رائياً .. الفنان ناقداً .. الفنان متوحداً ..

بقلم: محمد الأسعد*
( 1 )

لم يكن طفلي قد تجاوز سن الخامسة حين أهداه " ناجي العلي " نسخة من أخر مجموعاته الكاريكاتورية وختم الإهداء بهذه العبارة : الهدية لم تصل بعد . وسيكون عليّ بعد تسعة عشر عاما أن أفسّر لطفلي الذي أصبح شاباً معنى هذه الهدية التي لم تصل بعد .

كان ذلك في أبريل من العام 1985 ، وخلال آخر معرض شخصي له أقامه في قاعة الفنون ـ الكويت بعد أيام قليلة من رفض مكتب منظمة التحرير الفلسطينية السماح له بالمشاركة في معرض يوم الأرض .

على أرض قاعة المعرض كانت هناك أيضاً منحوتات بارزة لعدد من الفنانيين الكويتيين أبرزها منحوتة " صبرا وشاتيلا " للفنان سامي محمد . وبدت هذه المنحوتات متسقة ومتناغمة مع رسوم ناجي العلي إلى حد مدهش . فما كان من الممكن الفصل بين شخصية السجين المقيد إلى عمود انكسر بفعل حركة السجين العنيفة إلى الأمام بكل جسده وغضبه ، وبين ذلك الفدائي الفلسطيني المسمّر على صليب تتقاذفه أمواج البحر وهو ينتزع راحتيه المسمّرتين مخلصاً نفسه من حالة الموت .

فكلا المشهدين نابضٌ بتاريخ إنساني يمتدّ في ما هو أعمق من اللحظة الراهنة والمكان . سامي محمد يستوحي منحوتة السجين من أحد تماثيل حضارة المايا المكسيكية مصنوع من الفخار ، وناجي العلي يستوحي رسمه من المسيح المصلوب .

وكلاهما يستدخل قلقَ ورؤيا الحاضر . فيصبّ سامي محمد تمثاله في قالب برونزي ، ويلف عيني سجينه بقطعةِ قماش طائرة تجعله شبه إنسان يتخبّط في حركة لا يعرف معها أين يوجّه غضبه ، ويحوّل ناجي العلي مسيحه إلى فدائي مصلوب قُذف به مع صليبه إلى البحر ، ينتزع يديه المسمّرتين ويهبط عائداً إلى أسطورة شعبه المقاوم ولكن مفتوح العينين .

العيون المفتوحة على اتساعها ربما هي إحدى سمات كاريكاتير ناجي العلي التي لم تُلحظ إلا نادراً ، والذين تنفتح عيونهم هم الفقراء والمقاومون والفدائيون . أما حشد السماسرة والمنتفعين ذوي الكروش المتهدّلة فهم لا يملكون عيوناً أصلاً ، ولا أطرافاً بشرية حتى : أنهم كائنات بلهاء قد تكون عيونها مجرد نقط حبر أو حفراً مصابة بالحول ، وأطرافها إعجازاً وبطوناً.

 


هذا العالم الذي ينقسم فيه الناس ، كما هم منقسمون في الواقع ، واقع الصراع القائم ، يمر أيضاً أمام عيني الطفل المراقب ، الرسام تحديداً ، حنظلة الذي وضعه ناجي أو ابتكره بالأحرى عفواً ، فكان بذلك مبتكر أول معنى لما يدعى " الموقف المحايد " في الفن الكاريكاتوري . في الموقف المحايد تجري الأحداث وتنكشف المواقف بحيادية تامة ، وكأن الرسام لا يفعل شيئاً في الوقت الذي يفعل فيه كل شيء ، أو كأن ما يحدث من مفارقات لاذعة في هذا العالم المتصادم بشخصياته ومواقفه يحدث وفق ضرورة باطنة في الأشياء ، وليس بتدخل خارجي من رسام أو معلق . هذه القوة وهذه البساطة وهذا الضروري هي العناصر التي وقف أمامها جمهور المعرض الأخير في قاعة الفنون مبهوراً بيقظته كما لم يكن في أية لحظة من لحظات حياته .

كان الجمهور يستيقظ ويفتح عيونه على اتساعها أمام هذا المسرح متماهياً مع الطفل والمرأة والرجل والفدائي الذين تلتمع عيونهم بالدهشة والثقة أمام قفص الوحوش المنطلقة من قفصها عارية ، شعاراتها مضحكة ومفضوحة ، ومنطقها مقروء أمام كل ذي بصيرة ، واتجاهاتها محدّدة بدقة : حركاتها وأفكارها ونظراتها مناوئة للحقيقة والطبيعة والبراءة والبداهة ، مناوئة لفلسطين وأطفالها ، وساعية وراء منافعها وصفقاتها .

لم تكن هذه اليقظة لتجيء نتاج جدل أفكار أو حل معادلات رياضية ، بل بفعل مفاجئ : حدس فوري بسيط أمام ما يبدو لغزاً أو مفارقة ، تماماً مثلما تدرك الفكاهة والطرافة حدساً وليس نتيجة إعمال فكرة أو تحليل . فإذا بهذه الكائنات المهيمنة بسطوة المال والنفوذ والمواقع السياسية والبطش والاستبداد تتعرى فجأة من كل أقنعتها البشرية وثرثرة خطاباتها وتتحول كما هي على وجه الحقيقة إلى حيوانات زاحفة ، مواقعها وأماكنها ومكاتبها مستعمرة عراةٍ أو حديقة تعج بصنوف الكائنات العجيبة تلك التي ستكون حديقة " أو سلو " في مقبل الأيام ، مستعمرة يحول قائدها الكوفية الفلسطينية إلى ربطة عنق لرجل أعمال ، والبندقية إلى حقيبة سمسار ، ويختبئ شاعرها في إحدى غرف فندق " شلتون " معلقاً " على بابه لافتة تقول : " ممنوع الإزعاج وثورة حتى النصر " ويتحول جدول أعمال كتابها في صنعاء إلى جدول بأسعار العملات ، ولا يدخل جنة اتحاد كتابها إلا من عرف أو سمع بالمحظية الخفية ... وهكذا .

المفاجئ في هذه السخرية هو أنها ليست مجرد شتيمة أو فضح لما يجري في الغرف والمكاتب وما يعد من سياسات . بل لأنها فعل تحرير للوعي ، أو نوعاً من الاستنارة السياسية والاجتماعية والثقافية ، أو الوجودية بالأحرى ، استنارة تشبه استنارة الطفولة في النفس والوجود قبل أن يتشوه الإنسان وتتوزعه المطامع ، ومديحاً للمعنى قبل أن تشوهه الذرائع .

فلسطين ناجي العلي ، كما هي فلسطين كل المحرومين ، بسيطة تعادل الطفولة في بساطتها ، ألهذا السبب عاد طفلي وبعد أن أصبح شاباً ليسألني عن حكاية ذلك الطفل الذي قتلوه في لندن ؟ ذلك الذي أهداه كتابه حين كان صغيراً ؟

( 2 )

نحن لا نتذرع بأي شيء حين يحتاج الأمر إلى أن نحكي قصتنا ، لأننا واضحون وشفافون دائماً لا نبحث عن مكسب أو ربح . نحن لا نحتاج إلى الخداع الذي احتاجته هذه الكائنات ، ولا نحتاج إلى أن نتحذلق كثيراً أو نستعير أفكاراً لفهم حقيقة ما حدث قبل وبعد اغتيال أكثر فناني فلسطين نزاهة .

نحن ماء عصي على التشويه ، والملح الذي يحاذر الفساد لأنه ما يُملّح به . ولهذا تظل الوقائع العارية ماثلة أمامنا ، ونسمي الأشياء بأسمائها :

· قبل اغتيال ناجي العلي بسنتين ، وخلال عمله في " القبس " الكويتية ، جاءني ناجي وبين يديه مجموعة مقالات ، أحدها بقلم الشاعر " أحمد دحبور " منشور في صحيفة قبرصية يزعم فيها أن ناجي العلي يشوه الشخصية الفلسطينية فيصورها جسداً مترهلاً سميناً ، وأن فنه لهذا السبب انحدر إلى الحضيض . والأخر بقلم نبيل شعث أرفقه برسم كاريكاتيري لناجي بعد أن أدخل عليه تحريفاً ( بالقص والتلصيق ) محتجاً بأن ناجي كان مع مشاركة دار نشره ( الفتى العربي ) في معرض القاهرة الدولي إلى جانب الجناح الإسرائيلي كما يشير الكاريكاتير . فلماذا غير رأيه وسخر من هذه المشاركة فيما بعد ؟! .
كان ناجي يشعر بالمرارة ، ليس لأن الأول يسيء الفهم عن قصد ، ولا يفرق بين شخصية السمسار المترهل ( موضع نقد ناجي ) وبين الفدائي واللاجئ الذي يصلبه السماسرة على صلبان مطامعهم ومشاريعهم المالية ، وليس لأن الثاني يلتقط له كاريكاتيراً ويحدث تغييراً فيه يخدم ادعاءه ، بل لأنه ليس كاتباً ليستطيع الرد على هذه الهجمات الرسمية .

وقال ناجي " اكتب ... اكتب ... رداً على هؤلاء " وكتبت رداً أحلّل فيه منطق دحبور السيئ النية ، واكشف التزوير الذي لجأ إليه نبيل شعث ، ولكن هذا الرد لم يجد صحيفة تنشره .

كانت الهجمة ضارية ، ومن عدة منابر ، وكان فضحها يقتضي مناقشة سياسية وتحليلاً لما يجري من تطبيع للعقل الفلسطيني والعربي ، واتجاهات للخضوع لمنطق العدو الصهيوني بحجة " الواقعية السياسية " ، بل وكشفاً لحقيقة الاستبداد والإرهاب الذي يتعرض له العقل الناقد ، سواء أكان في داخل أجهزة منظمة التحرير الفلسطينية أم خارجها ، ولم يكن أحد مستعداً آنذاك لمواجه بلدوزر المصالح التي تقف وراء كل هذا ، وتتغلغل في كل مكان ، وتشتري الصحافة والصحفيين ، وتهدّد دور النشر بالإفلاس ، وأصحاب مراكز الأبحاث " بفقدان الحظوة " . سألت ذات يوم د . يوسف صايغ عن سبب استقالته من لجنة منظمة التحرير الفلسطينية التنفيذية ، فكان جوابه المختصر والدال " يريدوننا أن نكون أختاماً لتبصم على ما يريدون ... مجرد أختام "

· في صيف العام 1985 كنت في زيارة لقبرص ، وفوجئت في جلسة مع بعض الصحفيين بالشاعر " أمجد ناصر " يتحدث عن ناجي العلي " مدمن القمار " الذي دفعه إدمانه إلى بيع نفسه لأعداء الثورة الفلسطينية ! كان هذا الحديث وما شابهه يدور هنا وهناك ، وعلى صفحات الصحف التي تتعيش على أموال منظمة التحرير الفلسطينية ، وأدركت آنذاك أن ثمة " تعميمات نضالية " صدرت لكل المتعيشين والتنابلة بمباشرة حملة لتشويه الفنان الرائي وعزله عن الجمهور العريض ، ومقاومة نفوذه أو نفوذ رؤيته بالأحرى بكل وسيلة متاحة : المقالة ، والإشاعة ، والنميمة ، والطعن بمواقف صحيفة " القبس " التي يعمل فيها ، وبالمناسبة كانت صحيفة " القبس " قد طردت أحد كبار الصحفيين ( مدير تحريرها ) بعد أن تأكد لديها أنه تسلم أموالاً لإدارة الصحيفة في سياق حملة مناصرة عرفات في حربه ضد أعضاء في تنظيم فتح كشفوا توجهاته السائرة نحو أوسلو منذ العام 1983 ، فنال الصحيفة ورسامها ناجي الكثيرة من حملة التشويه هذه .

· بعد اغتيال ناجي على يد عضو خلية من خلايا منظمة التحرير الفلسطينية في لندن ( صحيفة الميل البريطانية 22/11/1987 ) لازال مجهول الاسم لم تصرح به الشرطة البريطانية ، وإن كانت قد صرحت باسم عضو آخر لا علاقة له بالاغتيال يدعى " بشار سمارة " وأبعدته إلى فلسطين المحتلة بعد أن كشف لها أنه عميل للموساد الإسرائيلي ، حدثني د . باسم سرحان عن أخر لقاءاته مع ناجي العلي في لندن . وفي هذا اللقاء أخبره ناجي بالهواتف التي تنهال عليه من أعضاء في منظمة التحرير من أمثال محمود درويش وبسام أبو شريف ، وتحذره من الاستمرار في السخرية من شخصياتها لأن الأمر كما زعموا " وصل مع الختيار، أي عرفات ،حداً لا يطاق " وبخاصة بعد أن نشر كاريكاتيراً يتساءل فيه أحد فقراء فلسطين ممسكاً بعنق أحد كائنات المنظمة المتضخمين عن سر عضويته في اتحاد الكتاب والصحفيين والفلسطينيين مادام لا يعرف " رشيدة مهران " ولم يسمع بها ! لم تكن إلا قلة من المقربين تعرف هذه المرأة وطبيعة علاقتها وحظوتها في منظمة التحرير ، وهذه القلة هي التي أدركت بالطبع ما يعنيه هذا الكاريكاتير الذي لا يفضح فقط طبيعة وتركيبة ومجرى العمل في المنظمة ، بل ويكشف أحد أسرارها العليا المقدسة ! ووصفت صحيفة " الميل " البريطانية في سياق تحليل موسع واستطلاع عن حادث الاغتيال بعد بضعة أشهر هذا الكاريكاتير بصفة " الرسم القاتل " الذي أغضب ياسر عرفات "
·
بعد اغتيال ناجي أيضاً ، وهو يكاد يكون اغتيالاً معلناً لأن أوساطاً عريضة كانت تتوقعه ، وتتوقع الجهة التي ستقوم عليه ، تتالت أحداث غريبة . فقد كتب إليَّ من لندن باحث فلسطيني اسمه " عادل سمارة " يقول أنه دهش دهشة بالغة حين قرأ ما كتبته عن اغتيال ناجي وسط هذه الحملة الشرسة ضده حتى بعد اغتياله بأقلام كتاب وشعراء فلسطينيين. وقال لي"أدهشني أن يقف إنسان هذا الموقف الشجاع المدافع عن ناجي وفنه ... وحيداً "

والغريب أيضاً أن مطاردة ناجي ومواصلة تشويهه ، ومحاولة محوه تواصلت ، ليس على يد الموساد بل على يد أنصار "مثقفي" بلاط منظمة التحرير . فقد قام هؤلاء بإنزال وتحطيم تمثاله الذي أقيم في مخيم عين الحلوة . وزارني ذات يوم شاعر فلسطيني متعيش على أموال منظمة التحرير في بيتي في قبرص ، وشاهد أحد مقالاتي التي كتبتها أثر اغتيال ناجي العلي ، وحين خرج يبدو أن المقال خرج معه ، إذ لم أعثر له على أثر . ويبدو أن صاحبنا هذا ظن أن وقع على صيد ثمين ومادة لكتابة تقريره اليومي يرفعه إلى دافعي راتبه عن اكتشاف " عدو للثورة " في شخصي ، تملقاً لأصحاب الدولارات وإثباتاً لكفاءته المهنية .!

بعد ذلك بسنوات سأعرف من أحد كائنات هذه المنظمة في أحد مقاهي صوفيا صفحة جديدة من صفحات مأساة الثقافة الفلسطينية التي عبثت بها مجموعة من المنتفعين والباحثين عن الأرصدة المصرفية . قال لي هذا الذي نسيت اسمه معتّداً ، أنهم اغتالوا ناجي بالفعل ، وإن من اغتاله تم تدريبه بحيث أصبح قادراً على إطلاق النار وإصابة الهدف من سيارة تجري بسرعة مائة كيلو متر في الساعة . كان يقول هذا متفاخراً بالقدرات التقنية التي تملكها منظمته . وحين سألته عن مصير هذا المحترف أجاب ببساطة : " أنه يعيش الآن في تونس آمناً ... مطمئناً " لا يستطيع أحد الوصول إليه " !

لم يكن المتحدث يعرفني ، ولذا تبجح ما شاء له التبجح آمناً ومطمئناً أيضاً .

 


( 3 )

جريمة ناجي العلي بالطبع هي أنه لم يخضع لأساطير المستبدين بأمور المقاومة الفلسطينية ، ولا لأبقارهم المقدسة ، ولا لمقدساتهم ورموزهم التي أقاموها لترهب كل من يتجرأ على نقد متاجرتهم بالقضية الفلسطينية وتدويرها في مسارات بعيدة كل البعد عن فلسطين وشعبها ومصالحها الوطنية .

جريمة ناجي العلي أنه كان يرى رؤيا العين إلى أين ستقود هذه المجموعة المستبدة ، فكانت رؤياه أحياناً يصعب تصديقها وأحياناً تبدو لا معقولة إلى حد بالغ . وإلا ... من يصدق ناجي العلي حين يرسم عدداً من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية بأشكالها القردية العجيبة في العام 1984 وهي تهم بالدخول في كامب ديفيد الثانية ؟ ومن يصدق ذلك الفدائي الذي رسمه منذ وقت مبكر ( 1969 ) الذي يفسر لزميل له خطبة قائد يثقله كرشه بالقول " يقول حمينا ظهر الثورة والآن علينا حماية كروشها " ومن يصدق رؤياه حين يزاح عن المسرح ستار مرسومة عليه صورة الفدائي الفلسطيني ليطل من ورائه سمسار عقارات وأراضي ؟

مدهش ناجي بالطبع بهذه الرؤية الشبيهة بالحدس في وقت كانت فيه الأشياء غائمة ، والكبت قانون ثوري ، والارتزاق بطانة ثقافة المطبلين ، والشائع معزوفة خادعة للشعب المسكين ، يشعر أنها خدعة ويحس أنها أكذوبة بكل أبطالها ، ولكن حين يلتفت إلى " مثقفيه " وشعرائه ، وسياسييه لا يجدهم إلا دراويش يدورون في حلقات ذكر الرئيس وبطانته ، بل ويخرجون له ألسنتهم أحياناً ساخرين من بؤسه وشقائه ، همهم الوحيد التكسب باسم فلسطين والفلسطينيين ، وعيونهم على أسعارهم في سوق الكتب والمطبوعات والمهرجانات .

كان ناجي منتمياً لثقافة شعب شفاهي لم يكتب أحد حكايات أبطاله المنسيين ، ولا احترم أحد ذاكرته الحية التي تعيش فيه جيلاً بعد جيل . شعب عرف السماسرة والوسطاء الذي أحبطوا ثوراته ووشوا بقادته الفلاحين البسطاء وخدموا الاحتلال البريطاني ، مثلما هم في طريقهم نحو خدمة الاحتلال الإسرائيلي . سماسرة ليس لهم من الثقافة سوى أنها معزوفة يعزفها زمارون حسب الطلب ، وليس لهم من السياسة سوى مفهوم أن يتصدروا هم حفلات ومزادات البيع والشراء لا غيرهم .
أحد مثقفي السماسرة أنكر ذات يوم أمامي وجود شيء اسمه ثقافة فلسطينية وزعم أنه وجماعته هم من اخترعها لأغراض سياسية، كان اسم هذا المثقف محمود درويش، ولكن ناجي وأمثاله كانوا في الحقيقة هم الثقافة التي يتنكر لها هذا المدعي ، كانوا هم صناع ثقافة الفقراء والتعبير عن وعيها في صراعهم من أجل حقهم في وطنهم . ولم يكن من شأن هذه الثقافة أن تساوم أو أن تتحول إلى بضاعة إلا إذا انتحلها أمثال هذا المدعي وإلا إذا اختفى عن وجه الأرض صناعها وممثلوها ، وعندها يسهل تحويل فلسطين إلى منتجع خاص ، ومشروع كازينو ، وشركات مشتركة مع المحتل الإسرائيلي الشريك . وعندها يسهل محو خريطة فلسطين ووضع خريطة عجيبة بطول ستة عشر كيلومتراً على شاطئ غزة . وبضعة قرى متناثرة بين هضاب فلسطين الشرقية يحكمها المتعاونون مناصفة مع شركائهم الإسرائيليين .

منذ وقت مبكر كان ناجي العلي يحس بأن هذه الشراكة قادمة، ويتم التمهيد لها، تارة بحجة عدم مقاطعة اليسار التقدمي الإسرائيلي، وتارة بحجة عدم معاداة السامية، وتارة بأن القضية كلها يمكن تلخيصها بطلب المساواة بين المستوطنين البيض والهنود الحمر أو زنوج أفريقيا الفلسطينية. وكلها أطروحات تتناسل في خطاب مثقفي وشعراء عملية السمسرة التي بلغت ذروتها في أوسلو، في محاولة لاختلاق ثقافة وفن على مقاس وحجم الصفقة الرديئة التي شهدنا فصولها تتوالى وصولاً إلى محاولات محو صفة " الاحتلال" عن عدو بالغ الوضوح لا يحاول هو ذاته نفي هذه الصفة عنه . ترى هل بلغ الانحطاط بقضية شعب هذا المبلغ في تاريخنا كله ؟!

 

( 4 )

في أحد مناقشاتنا قلت لناجي ذات يوم أن رسم الإسرائيليين بملامح يهودية نمطية كالتي اعتادت الثقافة الغربية رسم اليهودي بها، أو كما هو شائع حتى الآن في الكاريكاتير العربي أمر غير واقعي تماماً؛ الإسرائيلي واقع احتلالي قائم لتجمّع من عدة هويات وقوميات، ولا معنى للالتصاق بالسمات النمطية لليهودي، لأن ما يواجهنا في فلسطين وجه محتل ذو ملامح بشرية معتادة، ولكن خاصيته هي أنه عدو يحتل أرضنا، تجد بين أفراده الروسي والأثيوبي والمغربي والتركي، ولا أجد معنى في تمييزه دينياً، الصهيونية هي عقيدة هذا التجمع، وعليها يجب التركيز . لم أكن يومذاك أرى في أكثر أحلامي تطرفاً أن مثقفي السماسرة، فلسطينيين وعرباً، سيبدأون حركة خفية منظمة لمحو تعبير الصهيونية، أو ما يذكر بأن ثمة حركة صهيونية قامت باحتلال فلسطين، و أقامت كيانها الاستعماري إسرائيل، وسيذيعون بين الناس فقهاً جديداً أساسه مفاهيم غير واقعية ، مثل إسرائيل الشعب وإسرائيل النظام " وعملية السلام " بدل " عملية الاستسلام " ، والمبدعون اليهود الكبار " بدلاً من كتّاب ومنظّري الصهيونية " وهكذا ، إلى درجة أنهم أشاعوا وهماً بوجود " فلسطين محررة" برئيس وعلم وثقافة ووزارات وما إلى ذلك ، بدل تأكيد حقيقة واقعية ، لا يجهلها أصغر صحفي ، وهي أن الأرض كلها محتلة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً ، وأن الجديد فقط هو استبدال موظفي اوسلو وسماسرتها بالموظفين الإسرائيليين في بعض المدن الرئيسية ، مع بقاء ضابط ارتباط إسرائيلي يحرك كل شيء من وراء ستار ، بل وبلغت الوقاحة بهؤلاء حد محو تعبير " الأرض المحتلة " واعتبارها أرضاً متنازعاً عليها يتم التفاوض لتقاسمها .

كل هذا الذي لم يكن يخطر لي حتى في الأحلام كان واضحاً وبحدة في رؤيا ناجي العلي حين رسم فلسطينية بثوبها التقليدي المعروف، ووراءها سمسار من سماسرة أوسلو المقبلة وقد أقبل ضاحكاً وبيده لباس سباحة تبقعه النجمة الإسرائيلية كتب عليه " الحكم الذاتي" .

قال لي ناجي " ولكنني لا أرسم الإسرائيلي على غرار صورة اليهودي التقليدي ، أنني أرسمه كما هو" أزعر " " أفاقاً " ودجالاً " ولصاً " وهي الصورة نفسها التي بدأ يمحوها مثقفو أوسلو ومن لف لفهم فيما بعد بين ما محوا من صور .ولكن مشكلتهم ستظل قائمة مع ناجي العلي وأطفال فلسطين ، أطفال اللاجئين الذين لم يعرفوا ناجي إلا على هيئة ذلك الطفل الذي بدأ يدير ظهره واعياً بكل أحداث هذه المهزلة المتواصلة ، والذين يدركون الآن أنهم ضحية صفقة أوسلو أو يراد لهم أن يكونوا ضحيتها .

لم ينشغل ناجي بشيء قدر انشغاله بترسيخ صورة فلسطين ، وصورة الفدائي ، وصورة اللاجئ في مخيمه ، في مواجهة هذا الذي حدث ويحدث على مسرح الكائنات التي تحولت إلى زواحف في رسومه منذ وقت مبكر ، وهي تنتحل سمات النضال فتفشل في إقناع أبسط العقول ، وتنتحل صفات الثورية فلا تأتي إلا بالمضحكات من الأمور ، وتوسع العدو شتماً وهي زاحفة أمامه زحف ذوات الأربع .

 ولكن أبطال ناجي في المقابل، أولئك الذين ظلت عيونهم مفتوحة ، وأجسادهم النحيلة تتعرض للسياط وقذائف الطائرات ، وتقطع أرجلهم فيحطمون بعكازاتهم " دكادين النضال " ويصلبون فينتزعون أيديهم وأرجلهم الدامية عن صلبانهم ويعودون ، لم يتغيروا ولم تمسخ أعضاؤهم كما مسخت أعضاء السماسرة ، ولا زحفوا أمام العدو مستسلمين ، ولا حملوا حقائب رجال البزنس بدل حقائب المتفجرات ، ولا استبدلوا ربطات العنق بالكوفية الفلسطينية الشهيرة ، ولا توقفت فلسطين عن أن تكون فلسطين الفقراء والمشرّدين لا منتجعات ومزارع السماسرة الذين أودعوا أموالهم في المصارف الإسرائيلية.
لم يتغيروا كما صرخ جندي إسرائيلي تحت وابل الحجارة لأنهم " لا يفهمون اللغة العربية كما يبدو" بل لأنهم يجيدون هذه اللغة تماماً ، ويدركون الفرق بين السمسرة والنضال وبين الفدائي ورجل " البزنس " وبين الشاعر والمتكسب ، ولا يختلط عليهم الأمر كما اختلط على مقاولي بناء المستعمرات الإسرائيلية من الباطن ، ومتعهدي ترويج البضائع الإسرائيلية
.
هؤلاء الأنقياء هم الذين فكر بهم ناجي العلي دائماً وراهن عليهم ، مثلما يراهن الإنسان على البذور لا الجذوع النخرة ، ومثلما يراهن على المستقبل ، لا على اللحظة العابرة . ولا مخاطرة ولا خشية في الإبداع ، فهو إما أن يكون ملك الأزمان كلها أو يكون عربة لقطع المسافات القصيرة إلى منصب أو إدارة أو مصرف أو قصر فاره ، وعندها ليس له من تسمية تليق به سوى الاحتيال .

في تحويل جميل لقصة كنا نقرأها صغاراً ، يرسم ناجي العلي عجوز فلسطينياً يهم بزراعة شجرة زيتون ، ويقف أمامه جندي إسرائيلي مدججاً بالسلاح يسأله وتعابير وجهه تنم عن الدهشة والاستغراب " هل تعتقد أنك ستأكل من ثمارها ؟ " فيقول العجوز الفلسطيني ببساطة : " زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون " .

ليس هناك أجمل من أن تقال الحقيقة التي تتسق مع مجرى وطبائع الأشياء فهي وحدها التي تبقى في الفن والسياسة والاجتماع ، ويتلاشى ما عداها سواء أكان شخصاً أم فكرة أم صفقة . لقد احتفظتُ بهدية ناجي لطفلي ، ولا أشك أنه سيقدمها لطفله أيضاً.

--------------

* محمد الأسعد ولد في 6 سبتمبر 1944 في قرية "أم الزينات"، جبل الكرمل، في فلسطين. يعتبر واحداً من أبرز الشعراء والأدباء النقّاد العرب، وفي طليعة أدباء فلسطين في المنفى العربي، تنقّل وعاش في أكثر من بلد عربي وأوروبي. وجمع بين موهبة الكتابة الشعرية والنقدية والروائية والبحثية والترجمة من اللغة الإنكليزية. من اعماله الروائية: أطفال الندى (بالعربية, بالفرنسية, باليونانية, بالبرتغالية, بالعبرية)؛ نص اللاجيء؛ حدائق العاشق؛ شجرة المسرات: سيرة بن فضلان السرية؛ أصوات الصمت؛ السيرة الذاتية: أبعد من الجدران: محمد الأسعد ويوسف الغازي: لاجيء فلسطيني وإسرائيلي يعودان إلى زيارة تاريخهما (بالفرنسية)، تحرير فرانسواز جيرمين روبين.

 

 

 

 

 

 

 

8/1/2011