מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

تحيه كاريوك: راقصة دعمت كل إنسان مضطهد

 

مقدمة - تحية كاريوكا (22 فبراير1915 - 20 سبتمبر1997)، راقصة وممثلة وفنانة مصرية، مواليد مدينة الإسماعيلية.

اسمها الحقيقي بدوية محمد كريم، وقد بدأت في ممارسة الرقص والغناء والتمثيل وهي في سن صغيرة حتى اكتشفتها الراقصة محاسن ثم تعرفت على بديعة مصابني وانضمت إلى فرقتها فاستعانت بها في السينما والمسرح. بدأت شهرة الفنانة تحية كاريوكا الحقيقية عام 1940 عندما قدمت رقصه الكاريوكا العالمية في أحد عروض سليمان نجيب وهي الرقصة التي التصقت بها بعد ذلك حتى أنها لازمت اسمها.

 

 

عرفت تحية كاريوكا بأنها آخر العظماء في تاريخ الرقص الشرقي، حيث طورت تحية أسلوبها الخاص الذي اعتمد على إعادة إنتاج الهرمونية الشرقية القديمة في الرقص وهو الأسلوب الذي تأسس عليه مدرسة كاملة في الرقص الشرقي. وفي منتصف الخمسينات اعتزلت كاريوكا الرقص الشرقي وتفرغت نهائياً للسينما حيث شاركت في عدد ضخم ( 111 !) من الأفلام السينمائية البارزة التي حملت بصمتها الفريدة منها.

 

بقلم: جهاد علاونه*

هل سمعتم عن راقصة شرقية لها اتجاه سياسي وفكري,عدى وفاء التي تركت الاعلام واتجهت إلى الرقص؟..الاعلام العربي مقصر في هذه الناحية ولا يظهر بعض الجوانب السياسية للفنانين العرب مثل الست(فيروز) وميلها لأنطون سعاده ...إلخ..ومثل تحيه كاريوكا التي بدأت مشوارها الفني مع أو في كازينو(بديعه مصابني) في نفس السنة التي ودع فيها العالم العربي (مي زياده) ليستقبل امرأة شرقية أخرى من نوع آخر فيها مزج بين الروح الفنية وبين العمل السياسي حين تصبح السياسة لها أصول ومنابت ومبادئ ثابتة وحين يصبح فن الرقص متعة لها ضمير إنساني, وهنا حلاوة الموقف حين نكتشف في هذا الكون بأن هنالك إنسان يستمتع بضمير أو إنسانة مثل تحيه كاريوكا تمارس المتعة بضمير حي ووجدان طيب.

 

كانت الراقصة ساميه جمال تمزج بين اللون الشرقي في الرقص واللون الغربي أي أنها كانت مثل الكُتاب الذين يمزجون بين (العقل والنقل..أو بين المذاهب التوفيقية) لمحاولة التوفيق بين(الشرق والغرب) أما تحيه كاريوكا فقد كانت السيدة الوحيدة التي بدأت حياتها على إيقاعات الرقص الشرقي الكُحْ وهي بالإضافة إلى ذلك كانت تعملُ في مجال السياسة وكانت تتفاعل مع الهيئات والمنظمات الفكرية والسياسية منها,أي أنها كانت راقصة وسياسية في نفس الوقت وهذا بحد ذاته يعتبر ظاهرة عالمية تثير الشجن والاستغراب على سيدة تنفق من (فلوس الرقص) على المنشورات السياسية وعلى المتضررين من الأسر التي يعمل أفرادها في السياسة وفي الأدب ومن هنا تجبرنا تحيه كاريوكا على تغيير وجهات نظرنا فيما يتعلق ببنات الهوى والليل وبنات الرقص على الوحده ونص حين تتحول ثمار الرقص على الوحده ونص إلى دعم للمثقفين وللمتضررين اجتماعيا وسياسيا من أجهزة القمع العربية..كانت تنفق كما كانت أم كلثوم تنفق على الجيش المصري والمجهود الحربي من حفلاتها الغنائية في مختلف الأقطار العربية ....وتحيه كاريوكا هو الاسم الحركي لها وكاريوكا لقب لُقبت به من خلال أدائها لرقصة الكاريوكاواسمها الحقيقي (بدويه محمد كريم) هي الراقصة والفنانة الوحيدة في العالم التي تجبرني سحنتها الشرقية على احترام الرقص وعلى احترام أي عمل تعمل به طالما أن لها مواقف إنسانية نبيلة مع المضطهدين سياسيا ودينيا واجتماعياً, ولم أحترم بحياتي كلها أي امرأة من الوسط الفني كما أحترم شخصية وعقل ومزاج تحيه كاريوكا التي لبست ثوب الرقص وفي داخلها ثوب من العفة والجمال والطهارة ما يكفي لتغطية الوطن العربي به كله, عاشت راقصة ترقص وبنفس الوقت تفكر ولو سألني أي سائل كما سئل عادل إمام في مسرحية شاهد ما شفش حاجه: هل تحب أن تضيف شيئا؟ لقلت نعم كانت راقصة وكانت مفكرة احترمها غصب عني وتجبرني على التواضع حين أكون في حضرتها وأنا أردد أسمها على شفاهي وصدقوني أنني كلما نطقتُ باسمها كلما أصابتني رعشة قوية في كافة أنحاء جسدي, وحين أحدث أصحابي عنها أشعر بأنني أريد أن أرقص مثلها لأعبر عن حزني وألمي, وهي الوحيدة التي أحني لها رأسي احتراما وحين أشاهدها على شاشة التلفزيون لا أستطيع أن أخفي دمعتي أو ابتسامتي حين تجعلني صورتها أحزن أو حين تريد أن تقتلني من شدة إحساسي بالفرح , وهي الفنانة أو الأنثى الشرقية الوحيدة التي ابتزت الفنانات والكاتبات فهي من غير أن تكتب كلمة واحدة أعتبرها أنا قد كتبت كثيرا وأثارت كثيرا من التساؤلات وهي الوحيدة التي أقف لها احتراما وأضرب لها (سلام مربع للجدعان) ليس لأنها راقصة عظيمة ولا لأنها فنانة عظيمة أو عاشقة مُتيمة بل لأنها الوحيدة في الوطن العربي التي كانت لها اتجاهات فكرية يسارية وأهمها انخراطها في الأحزاب الشيوعية والحركات السرية وأهمها حركة(حدتو) وكانت تصمد أمام الريح وأمام الملاحقات الأمنية بكل أشكالها السرية والظلامية وتم إلقاء القبض عليها عدة مرات ومرات ومما يثير استغرابي ودهشتي عنها شيئين مهمين أولا أنها الفنانة الوحيدة التي دفعت بمفكر عربي كبير مثل(إدوارد سعيد) لأن يكتب عنها كتابا أو أطروحة علمية, والشيء الثاني الذي يثير استغرابي هو أنها كانت تدعم الكتاب اليساريين ماليا وكانت تدعم الشيوعيين ماليا والماركسيين وكل إنسان مضطهد من غير أن تقول عن نفسها أو من غير أن تخبر أحدا, وصدقوني أنني طوال حياتي وأنا كلما شاهدتها على شاشة التلفزيون أذرف عليها دمعة صادقة وما وصف لي أحد ممثلا أو ممثلة أو كاتبا أو كاتبة عظيمة وندمت على أنني لم أعاصرها إلا تحيه كاريوكا فأنا دائما أندم على أنني لم أعش في عصرها ولم أصافحها بيدي, وليس أمامي اليوم إلا أن أنحني لها احتراما كلما رأيت صورتها أو كلما سمعت باسمها, وصحيح أن هنالك بعض الفنانين اليساريين ولكن مثل الست كاريوكا لم يثر أحد إعجابي, ومما يدهشني في سيرتها الذاتية أنها تزوجت 13 ثلاثة عشرة زوجا كلهم من الطبقة الفنية والسياسية والعسكرية وحين ظهر رشدي أباظة في حياتها أحبته وتزوجته وحين أمسكت به متلبسا مع نجمة من باريس في إحدى شوارع بيروت ضربتها ضربا مبرحا حتى تكاد الناس لا تصدق بأن هذا التصرف صدر من فنانة حساسة وذات سمعة نجومية, وأغلب أزواجها عاش معها لسنة أو لسنتين أو لأقل من ذلك وكانت تنفصل عن أزواجها على الغالب بسبب الغيرة الذكورية بالمثال على ذلك زواجها من(محرم فؤاد).

 

إن في داخلي حزن عميق هذا اليوم ورغبة عارمة بتفريغ هذا الحزن في الكتابة عن الجوانب المشرقة من حياة تحية كاريوكا, وإنني أتخيل الحزن العميق الذي كان في داخل تحيه كاريوكا -وقد لف جسدي بطيفه- تخرجه من جسمها من خلال الرقص على المقامات الموسيقية من (رست وصبا وبيات وهزام) وأتمنى أن أجد في كل قطر عربي راقصات لهن توجهات فكرية وأدبية لينتعش الشارع العربي الثقافي حين نمزج بين الرقص وبين الكتابة, إن الكاتبات العربيات هذا اليوم وهن لا يعملن في الرقص نجدهن يرتهبن من ذكر اسم رجل سياسة أو فكر أمامهن وقبل رفع سماعة التلفون والتحدث مع أي انسان له توجهات فكرية نجد تلك الاعلاميات ينتظرن الإذن من دوائر أمنية تتخذ من السياسة ملاذا للدعارة.

------------

* المصدر: الحوار المتمدن www.ahewar.org - العدد: 3476 – 4.9.2011.

 

 

9/12/2011