מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

الحريات العامة في عهد حماس

بقلم: عبد الغني سلامة*

 سعت حماس، قبل وبعد توليها مقاليد السلطة، لفرض مفاهيمها الاجتماعية والاقتصادية على المجتمع، وهي ما زالت تعمل بخطوات مدروسة وهادئة باتجاه أسلمة المجتمع، ولكنها حريصة في نفس الوقت على أن لا تُظهر ذلك على نحو يثير حفيظة الناس، وتقول دائما أن نموذجها في الأسلمة هو النموذج الأردوغاني، لا النموذج الطالباني، ولكن البعض يشككون في ذلك، ويرون أن الصدامات العنيفة بين حماس والتيارات الجهادية والسلفية المتشددة تأتي في إطار السباق والتنافس على فرض أسلمة المجتمع، ولكن كلٌ من وجهة نظره، وحسب أسلوبه، وفي هذا السياق، سعت حماس وبخطوات حثيثة للسيطرة على البنية التحتية الإسلامية، أي السيطرة على المساجد، وتعيين خطباء ووعاظ ينتمون لها، والإمساك بلجان الزكاة .. حماس أرادت أن يتم ذلك بخطوات متدرجة تراكمية يتقبلها المجتمع، بينما أرادت الحركات السلفية والجهادية فرض الأسلمة بالقوة ودفعة واحدة، فلجأت إلى تفجير الأماكن السياحية، وحرق المخيمات الصيفية، وتفجير صالونات التجميل، محلات الإنترنت، المقاهي، محلات بيع أسطوانات الأغاني والأفلام، تفريق حفلات الأعراس الغنائية بالقوة، وضرب المغنيين أو منعهم من الغناء، أي محاربة كل ما تعتبره مخالف للشريعة .

وعن مناخ الحريات في غزة، يقول الروائي اللبناني إلياس خوري، في مقالته المعنونة "الحجاب والنكبة": "لا تستطيع وأنت تقرأ أخبار فرض الحجاب في غزة، سوى أن تشعر بعبثية الأشياء. كأن الحصار الخارجي لا يكفي، لذا قررت حكومة حماس، فرض حصار داخلي اسمه الأخلاق. والأخلاق في عرف زعماء حماس، تتجسد في الحجاب."

ويضيف الكاتب: "إن الأمر لن يتوقف عند فرض غطاء للرأس، بل سيشمل إجبار النساء على لبس الجلباب - حتى المحاميات - وسيطال الضحك بصوت مرتفع، ومانيكان المحال التجارية (الموديل المصنوع من البلاستيك). بل إنه وصل إلى حد سؤال صحافية فلسطينية كانت تسبح على الشاطئ مرتديةً بنطلونا وقميصا، كيف تسبح وحيدة من دون محرم". ويضيف خوري: "حتى الآن لا نزال في المتوقع، لكن الجديد هو تحجيب الرجال. إذ لا يحق للرجل أن يسبح بالمايوه، لأنه يكشف عورته، كما أن الانترنت صارت آفة يجب مراقبتها، هذا من دون أن نتكلم عن الكتب الممنوعة، ومجموعات ما يشبه الأمر بالمعروف، التي تتجول مهدِّدة في أسواق غزة".

ويعتبر الكاتب أن هذه الإجراءات لها دلالات سياسية، فهي تعلن وبشكل واضح عن مشروع إنشاء إمارة إسلامية في غزة، ويستنتج من ذلك بأن هناك اقتناعاً لدى قادة حماس، بأن حالة الانفصال الشاذة بين الضفة والقطاع سوف تتحول إلى واقع دائم. وهذا قد يعني حسب الكاتب، "أن حماس قررت استبدال هدف تحرير فلسطين، بهدف بناء مجتمع إسلامي". فيتساءل إذا ما كانت حماس "عادت إلى ينابيعها الفكرية، وقررت أن الهدنة التي وقّعتها وتتمسك بها ما هي إلا فسحة طويلة، تريد خلالها أن تبني مجتمعها الإسلامي، وأن تثبّت إمارتها ؟".

في نفس السياق كتب الباحث الأردني عريب الرنتاوي، في مقالته المعنونة "حين تتغلب الطالبانية على الأردوغانية": "في الوقت الذي تعمل السعودية فيه على تحجيم جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الشرطة الدينية، تطالعنا حكومة حماس في غزة، بقرارات وإجراءات تنتمي إلى هذه المدرسة الدينية الآفلة، فليس من تفسير لإجراءات منع النساء من تدخين الأرجيلة في الأماكن العامة، وقبلها فرض الحجاب والجلباب على طالبات المدارس والمحاميات والمدرّسات، وما بينهما من حظر استخدام الدراجات النارية على النساء، وإلزام الأزواج بتأبط “عقود قرانهم” إن هم قرروا التنـزه مع نسائهم، أقول ليس من تفسير لهذه الإجراءات سوى النـزوع نحو سلفية طالبانية الطراز".

ويعلق الرنتاوي على تبرير حماس لمثل هذه القرارات التعسفية ووصفها بأنها "ممارسات غريبة عن مجتمعنا"، فيقول: "الحقيقة أن الغريب عن مجتمعنا هو هذا السلوك الأصولي المتشدد، الذي تفاقمت ملامحه خلال سنوات حكم حماس، فالفلسطينيون شعب منفتح ومتسامح، والمرأة الفلسطينية طالما تمتعت بأدوار ومكانة اجتماعية وبمستوى من الحريات الشخصية، تضيق بها المدارس الإخوانية المتأثرة حديثا بالسلفية، والمرأة الفلسطينية لها حقوقها وحرياتها الشخصية، ولا يمكن لها أن تقبل العودة إلى قفص الحريم، والمجتمع الفلسطيني نشأ وتربى على الاختلاط في الأفراح والأتراح، والمرأة الفلسطينية محترمة وهي تمتطي الدابة، أو تركب الدراجة النارية، وليس من حق أحد أن يلقن الناس دروساً في الآداب العامة."
ويتساءل الكاتب: "إذا كانت حماس في وضعها الصعب الراهن تفعل ما تفعل على هذا الصعيد، فما الذي ستفعله إن استتب لها الأمر، ودانت لها السلطة بصورة مستقرة ومستدامة، ما الذي ستفعله إن فقد المجتمع الفلسطيني قدرته على مقاومة هذا الشطط والتغوّل والشمولية ؟ ما الذي ستفعله إن طال بها المقام في الحكم، في غياب الانتخابات وتبادل السلطة؟."
يجيب على هذا السؤال د. محمد حمزة في مقابلة على العربية في يناير 2009، حيث أشار إلى أن المجلس التشريعي في غزة والذي تُشكّل حماس الأغلبية فيه، كان قد وافق بالقراءة الثانية على مشروع قانون العقوبات، وقد وصف د. حمزة هذا القانون بأنه "أكثر تزمتا من القانون السعودي، بل هو أكثر رجعية من قانون طالبان".

وقد شرعت حركة حماس بتطبيق حملة الفضيلة في القطاع، التي تقوم على أساس تطبيق تعاليم الدين من خلال الدعوة، وعمل القائمون على الحملة على استصدار قرارات عديدة، اعتبرها المثقفون اعتداء على الحريات الشخصية، منها مثلاً: منع الاختلاط في الأعراس والأماكن العامة .. ولكن د. عمر عبد الرازق، وهو نائب عن حماس، وعند سؤاله عن نية حماس أسلمة المجتمع، أجاب: "لا توجد نية عند حماس لأسلمة المجتمع، لأن اتفاق القاهرة الذي وقّعنا عليه لا ينص على ذلك".
أما على صعيد حرية التعبير، فقد منعت حكومة حماس الصحف الفلسطينية الثلاث من دخول غزة لمدة طويلة، ثم عادت وسمحت بدخولها. كما منعت مراسلي تلفزيون وإذاعة فلسطين من العمل. كما صادرت شرطة حماس عدة روايات أدبية، بحجة أنها تتضمن عبارات مخلة بالآداب، وكانت قبل ذلك قد أمرت بحرق رواية "قول ياطير". وكان وزير الثقافة السابق يوسف رزقة قد أصدر تعميما وزاريا بمنع الرقص الشرقي !! وإيجاد آلية لمنع الاختلاط في الأماكن العامة، والرقابة على الأفلام، وذلك تحت شعار الحفاظ على القيم الدينية .

وعندما أعلنت وزارة الثقافة في غزة أنها لا تمانع بإعادة فتح دور السينما المغلقة، اعتبر بعض المثقفين أن هذا ليس كافيا، لأن القرار يتضمن فرض "رقابة" على ما سيُعرض فيها، وعبّروا عن خشيتهم من ذلك، لأن هذه الرقابة ستقيّد وستمنع كل ما تعتبره لا يتناسب مع "عادات وتقاليد المجتمع الفلسطيني"، أي بعبارة أخرى ستمنع حماس كل ما لا يتماشى مع رؤيتها الأيديولوجية، تحت ذريعة الفضيلة.

وتسجل منظمات حقوقية في كل سنة الانتهاكات التي تقترفها حكومة حماس بحق الصحافيين، وتقييد عملهم، ومنعهم من الوصول إلى أماكن معينة، على سبيل المثال، فنّد الكاتب الصحفي داود داود التصريحات التي أدلى بها حسن أبو حشيش، حول حرية الرأي والتعبير في القطاع، مؤكداً أن عناصر مسلحة من حماس قامت بإغلاق المكتب الإعلامي التابع لفتح في غزة ومصادرة محتوياته بتاريخ 27/7/2008، وقامت باستدعائه والتحقيق معه، وإجباره على التوقيع على تعهد بعدم ممارسة أي مهنة إعلامية لحركة فتح داخل القطاع. وأكد داوود بأن حماس ما زالت تغلق 22 مؤسسة صحفية تابعة لفتح في قطاع غزة.

وحسب تقرير "هيومن رايتس ووتش" فإن المضايقات الحادة من قبل أجهزة الأمن في كل من الضفة الغربية وغزة، والتي تستهدف الصحفيين، كان لها أثر على شل وتقييد حرية التعبير.

كما سجلت المنظمات الحقوقية استيلاء حماس على العديد من الأندية والاتحادات والنقابات والمراكز الثقافية، أو إغلاقها، أو التضييق عليها، أو احتوائها بطرق ملتوية . كذلك فعلت مع عدد من المنظمات الأهلية المستقلة، وفي تصريح لإيهاب الغصين اتهم فيه بعض قيادات المنظمات الأهلية بالعمالة والجاسوسية، ودعاهم لتسليم أنفسهم. كما عطلت حكومة حماس حق المواطنين بالتجمع السلمي في أكثر من حالة، منها منع تنظيم مسيرات مؤيدة لمنظمة التحرير، منع إحياء ذكرى استشهاد ياسر عرفات، منع مسيرات مؤيدة لمسعى السلطة في الحصول على اعتراف مجلس الأمن بالدولة الفلسطينية، منع إقامة مهرجانات في ذكرى النكبة. .

كما سجّل تقرير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان حالات تعذيب قاسية ووحشية في سجون السلطة (في الضفة وغزة على حد سواء)، وسجّل نفس التقرير تسعة حالات وفاة داخل سجون حماس في العام 2009، بالإضافة إلى 32 حكم بالإعدام، أصدرتها محاكم تابعة لحكومة حماس فقط في سنتي 2009 ~ 2010.

كما تلقت الهيئة 1587 شكوى عن حالات انتهاك لحقوق المواطنة في غزة عن العامين 2009 ~ 2010، بما فيها عمليات الاعتقال التعسفي، وانتهاك الحريات الشخصية، وعدم إتباع الإجراءات القانونية في الاحتجاز والتوقيف والتفتيش والتحقيق والعرض على المحكمة. كما حذر التقرير من كثرة حالات تعدي القضاء العسكري على القضاء المدني، وعرض مدنيين أمام محاكم عسكرية، ومن غياب ضمانات المحاكمات العادلة. فضلا عن حالات منع مواطنين من السفر، كما منعت قيادات من فتح من دخول غزة.

-------------

* عبد الغني سلامه (فلسطين). المصدر: مركز الدراسات والابحاث العلمنية في العالم العربيhttp://www.ssrcaw.org/ar  - 13.11.2011.

 

11/14/2011