מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

 المهمات التي تواجه قوى اليسار

في الدول العربية في المرحلة الراهنة*

 بقلم: كاظم حبيب**

- هل كانت مشاركة القوى اليسارية والنقابات العمالية والاتحادات الجماهيرية مؤثرة في هذهِ الثورات؟ و إلى أي مدى؟

- لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بشكل عام ولكافة الدول العربية وكأنها ذات واقع متشابه واحد رغم وجود الكثير من السمات المشتركة في ما بينها. فالحركات الاحتجاجية والتحركات الشبابية ومن ثم الشعبية كانت وما تزال تستهدف تغيير الأوضاع الجارية فيها, ولكنها تختلف في بنيتها الاجتماعية وما تهدف إليه من حيث عمق وسعة التغيير ووجهته العامة. فتونس مثلاً شهدت صراعات مديدة ونضالات متواصلة ومستمرة قبل انفجار الحركة الشعبية من جانب كافة الأحزاب السياسية المعارضة, وبضمنها الأحزاب والقوى اليسارية, كما شاركت النقابات ومنظمات المجتمع المدني الأخرى في مقاومة دكتاتورية زين العابدين بن علي وأجهزته الأمنية. وكانت الحركة الإسلامية بقيادة راشد غنوشي ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان وفئة المثقفين الديمقراطيين هم الأكثر تعرضاً للاضطهاد من جانب الحكم, إضافة إلى الفقر الذي ساد في المناطق الشعبية وخارج المدن الكبيرة وقسوة تعامل أجهزة الأمن والشرطة فيها قبل انفجار الوضع باستشهاد الشاب الكادح محمد ألبو عزيزي. ورغم تقاليد الحركة اليسارية في تونس, فأنها كانت ضعيفة عموماً ومشتتة. ورغم ذلك كانت مساهمتها ملموسة نسبياً.

وفي مصر كانت مشاركة القوى اليسارية والنقابات ومنظمات مجتمع مدني أخرى تاريخياً غير قليلة قبل وكذلك قبل التحرك الشعبي الواسع في شهر شباط/فبراير 2011 ضد النظام المصري. ولكن المشاركة في الحركة الاحتجاجية والانتفاضة الشعبية كانت ضعيفة عموماً, إذ كانت الحركة الشبابية الجديدة قد تفجرت بفعل قوى شبابية غير مرتبطة عموماً بأحزاب سياسية أو بمنظمات مجتمع مدني قائمة أو مرتبطة بنقابات عمالية. لقد برزت خلال السنوات الأخيرة في مصر حركات معارضة متنوعة وشعبية هي التي ساهمت مع القوى الشبابية في تفجير الانتفاضة الشعبية, كما في حركة كفاية مثلاً. إلا إن بعض القوى اليسارية لم تتأخر طويلاً بل سارعت إلى تأييد هذه الحركة وشاركت فيها بقوة ملموسة وكذلك النقابات المستقلة ومنظمات مجتمع مدني, ومنها منظمات حقوق الإنسان والمرأة. وبرزت حالة المساومة لدى بعض القوى والأحزاب السياسية البرجوازية والتي تحسب على إنها يسارية, كما برز في بعض عناصر قوة التجمع اليساري في مصر مثلاً. وكانت قوى جماعة الأخوان المسلمين أكثر شعبية وأكثر تنظيماً وتأثيراً.

وفي سوريا أو في اليمن أو في المغرب والجزائر أو في ليبيا نلتقي بحالات أخرى غير متماثلة, ولكن كلها تعبر عن رفض شعوب هذه البلدان, وخاصة شبابها, للنظم الاستبدادية والقمعية التي مارست الظلم والإفقار إزاء شعوبها وخاصة الفئات الكادحة. وقوى اليسار في هذه البلدان متباينة في سعة قاعدتها الشبابية والشعبية وتأثيرها في الحركة الجماهيرية المناهضة للحكم. مع ذلك فإن قوى اليسار والنقابات ومنظمات المجتمع المدني الأخرى تشارك بحيوية في أغلب الدول التي حصلت فيها أو ما تزال مستمرة فيها انتفاضات شعبية وحركات شبابية مقدامة وجريئة, كما هو الحال في سوريا واليمن. أما في ليبيا فالقوى الديمقراطية عموماً ضعيفة, وكذا اليسارية بسبب الاضطهاد الشديد الذي تعرضت له في فترة القذافي.

إن تأثير قوى اليسار في الدول العربية كان خلال أكثر من ربع قرن في انحسار مستمر. وتعمق هذا الانحسار بعامل إضافي هو سقوط الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية في أوروبا باعتبارها كانت تقدم النموذج للبناء الاشتراكي في نظر الشعوب وانهيارها أدى إلى حصول إحباط وتراجع رصيد الفكر الاشتراكي اليساري. ولكن السبب الأكثر أهمية بين أسباب ضعف مشاركة قوى اليسار في عدد من تلك الحركات الشبابية والشعبية يبرز في واقع وحقيقة المحاربة الصارمة والظالمة والطويلة الأمد التي عانت منها القوى والأحزاب السياسية اليسارية من جانب نظم الحكم الاستبدادية, كما هو الحال في ليبيا أو في تونس أو في سوريا أو مصر أو الجزائر. كما كانت تعاني من اضطهاد ودعاية معادية من جانب قوى إسلامية سياسية وقوى رجعية في آن واحد. ففي سوريا على سبيل المثال لا الحصر جرى تركيع أغلب الأحزاب السياسية الرسمية وجرها للعمل في جبهة واحدة مع حزب البعث الحاكم, فخسرت تلك الأحزاب شعبيتها ودورها السابق في الحركة النضالية ضد الاستبداد والبطالة والفقر. ومن خرج عنها حورب من جانب النظام السوري وأجبر على الهجرة أو دخول السجون أو العمل الهادئ في منظمات مجتمع مدني. لقد وجدت قوى يسارية معارضة أيضاً في الداخل والخارج, ولكنها لم تكن قوية وقادرة على المشاركة الكبيرة في هذه التحركات, في حين كانت قوى أخرى ومنها جماعة "الأخوان المسلمين" أكثر وجوداً وتنظيماً وتأثيراً. وحتى الآن ما يزال تأثير ودور القوى اليسارية في تلك الحركات الشبابية والشعبية ضعيفاً ويحتاج إلى مزيد من التنشيط المتعدد الجوانب وإلى تغييرات كثيرة في بنية وعمل تلك القوى اليسارية.

- هل كان للاستبداد والقمع في الدول العربية الموجه بشكل خاص ضد القوى الديمقراطية واليسارية دوره السلبي المؤثر في إضعاف حركة القوى الديمقراطية واليسارية؟

- نعم, لقد كان وما يزال للسياسات القمعية الموجهة أساساً ضد القوى والأحزاب اليسارية والقوى الديمقراطية والتقدمية ومنظمات المجتمع المدني الديمقراطية واليسارية دورها البارز وأثرها الكبير على ضعف هذه القوى والأحزاب وعلى ضعف مشاركتها في الانتفاضات الشبابية الأخيرة. ولم تكن المحاربة والقمع والملاحقة من جانب النظم السياسية الاستبدادية فحسب, بل كان القمع يجري أحياناً كثيرة من جانب قوى تعتبر نفسها في صف القوى المعارضة لتلك السياسات في حين كانت تمارسها فعلياً. فقوى الإسلام السياسي في الوقت الذي كانت تريد الخلاص من تلك النظم الاستبدادية, كانت تحارب الفكر الديمقراطي والتقدمي والاشتراكي أو اليساري عموماً تحت واجهات دعائية دينية لا تصمد أمام واقع الحال, كما هو الحال بشكل خاص في مصر. وكانت تستخدم الجوامع والمساجد والنشر الواسع ضد الفكر اليساري والاشتراكي والشيوعي وتتهم هذه الأحزاب بالإلحاد لإبعاد الكادحين والفقراء والناس عموماً عن هذه الأحزاب وتستغفلهم بسبب الجهل الواسع النطاق والأمية أو بسبب تشويه الدين وبالتالي بناء وعي مزيف لدى هؤلاء الناس البسطاء.

لقد تمثل اليسار بشكل خاص ولسنوات طويلة في الأحزاب الشيوعية التي تعرضت لعقود إلى محاربة منظمة وممنهجة من جانب جميع الحكومات في الدول العربية دون استثناء. وحين نشأت بعض الأحزاب والقوى اليسارية إلى جانب الأحزاب الشيوعية في الدول العربية تعرضت هي الأخرى إلى المحاربة والزج في السجون وممارسة التعذيب ضد مناضليها تماماً كما كان وما يزال يحصل لعدد غير قليل من الأحزاب الشيوعية في الدول العربية.

وحصل في كل من سوريا والعراق مثلاً ولفترات معينة تحالفات مع قوى مناهضة للديمقراطية, رغم نضالها الطويل ضد الدكتاتوريات, مثلاً التحالف مع حزب البعث في العراق وسوريا, أضعف من دورها وتأثيرها النضالي وشعبيتها. ولنا في نموذج الحكم السوري مثالاً صارخاً بهذا الصدد حيث ما تزال أحزاب سياسية تعمل باسم الشيوعية تعمل في الصف الحكومي البعثي رغم انتفاضة الشعب السوري ضد النظام. ولكن هناك قوى يسارية وشيوعية أيضاً تناضل ضد النظام السوري رغم تعرضها للاعتقال والقمع والاضطهاد والتعذيب.

- هل أعطت هذه الانتفاضات والثورات دروساً جديدة وثمينة للقوى اليسارية والديمقراطية لتجديد نفسها وتعزيز نشاطها و ابتكار سبل أنجع لنضالها على مختلف الأصعدة؟

- لا يمكن أن لا تقدم مثل هذه الحركات والانتفاضات الشبابية والشعبية دروساً ثمينة لكل القوى السياسية في دول منطقة الشرق الأوسط والعالم, إذ إنها تكشف عن نشوء أوضاع جديدة مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وعن تبلور تجارب وخبر جديدة لدى الشباب والشعوب لا في الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط فحسب, بل وفي دول العالم كلها. وحري بالقوى اليسارية أن تكون من أوائل القوى الفكرية والسياسية التي يفترض فيها أن تستوعب طبيعة هذه الحركات ومضامينها والعوامل التي فجرتها وسبل التعامل والتفاعل معها واستجلاء الدروس الناشئة عنها لهذا اليوم وللقادم من الأيام.

إن ما يفترض الانتباه له وإعارته أكبر الاهتمام إن هذه الحركات الشبابية لم تكن تنتمي لطبقة اجتماعية بعينها, كما لم تكن في الغالب الأعم منتمية لأحزاب سياسية, بل إن أفرادها ينحدرون من فئات وطبقات اجتماعية عديدة ومن الغالبية المستقلة غير المنتمية للأحزاب السياسية, إذ ما كان وما يزال يجمعهم هو الإحساس بانعدام الحريات العامة والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية, هو الشعور الغاضب والمشروع إزاء حكم غير عادل وظالم وفاسد يعيشون تحت وطأته, إنه الإحساس بالتمييز وتفاقم البطالة بين الشباب والخريجين وإهمال دور المجتمع وتهميش دور المثقفين على نحو خاص. إنه الشعور بضرورة الخلاص من حكم يزيف إرادة الناس ويقمع قناعتهم ويزور إرادتهم وينهب ثروات المجتمع وخيراته ويترك نسبة عالية من السكان تئن تحت وطأة الفقر وانعدام السكن الآدمي والبطالة وجرح الكرامة.

من هنا يتبين إن احتجاج الناس ضد النظم السائدة يتوجه صوب قضايا عامة وملموسة وتشمل حياة ومعيشة الغالبية العظمى من السكان. وهذا يفترض بروز رؤية واضحة وسليمة لطبيعة المرحلة والمهمات الوطنية والمهنية التي تطرحها وضرورات تحقيقها والخطاب السياسي الذي يفترض أن تتبناه قوى اليسار الديمقراطي في هذه الدول.

وقد لعب الشباب دوراً أساسياً ومباشراً ومشبعا بالحيوية والفاعلية في تعبئة الأوساط الشعبية صوب مثل تلك الشعارات العامة المحفزة على النضال والمعبرة عن حاجات الناس. من هنا يفترض أن تتوجه قوى اليسار الديمقراطي صوب الشباب بخطابها السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي, إذ لا يمكن لأي حركة وطنية وديمقراطية أن تنجح في تعبئة الناس دون أن يكون لها دورها وأن تكون لها علاقتها بالشباب, سواء أكانوا في المدارس والكليات والجامعات أم أنهم من العاملين في الإنتاج والخدمات, إضافة إلى تنشيط فئة المثقفين الشباب المتحمسين لكل تغيير في حياتهم ونشاطهم وإبداعاتهم. 
كما لعبت المرأة في كل تلك الأحداث دوراً متميزاً ومهماً وسقط لهن بعض الشهيدات وهن يناضلن في الشوارع مع بقية بنات وأبناء الشعب أو اعتقلن وعذبن على أيدي جلاوزة تلك النظم الاستبدادية واللاديمقراطية. ومن هنا فإن خلو قيادات الأحزاب والقوى اليسارية من الشباب من الفتيان والفتيات وعموماً من النساء يلعب دوراً سلبياً في تعبئة المجتمع لصالح التغييرات المطلوبة في المجتمع.

وتؤكد التجارب القديمة والحديثة مسألة ذات أهمية فائقة هي أن تشتت قوى اليسار وخوض صراعات في ما بينها لا يضعفها ويهمش دورها وعلاقتها بالمجتمع وأهدافه فحسب, بل ويفوت عليها فرصة المشاركة في الدفاع عن المجتمع ومستقبله وفي التأثير على الأحداث الجارية والمشاركة الفاعلة فيها وفي وجهتها العامة.

وتؤكد التجربة أيضاً إن الشعارات وحدها غير كافية مهما كانت صحيحة, فإن النزول إلى الشارع وتأمين وجود علاقة مع الشباب وفئات المجتمع والدفاع عن مصالحهم المباشرة وربط القضايا الوطنية بالقضايا المهنية هي التي تستطيع استقطاب الناس إلى قوى اليسار. إن ربط الشعارات بالنضال الفعلي اليومي هو الذي يسمح بدور جديد وجاد لقوى اليسار في المجتمع.
وأكدت التجربة أيضاً أهمية وضرورة امتلاك ناصية التقنيات الحديثة لاستخدامها الفعال في إقامة وتنشيط العلاقات مع أفراد المجتمع, ومنها الانترنيت والفيسبوك والتويتر وما يمكن أن ينشأ لاحقاً, وخاصة الإعلام بمختلف أساليبه وأدواته بهدف الوصول إلى الإنسان والتعرف على حاجاته وظروف حياته والمهمات التي تستخلص من ذلك لصالح النضال من أجل تحقيقها.

تابعوا التحركات الشبابية في إسرائيل التي استخدمت نفس أساليب النضال في مصر واليمن مثلاً في الاحتجاج على ظروف المعيشة الصعبة وتفاقم البطالة والفقر والتمييز الاجتماعي والقومي والديني وبسبب اللون أيضاً. ولم ينفع مع الشباب الإسرائيلي افتعال مشكلات خارجية مع الشعب الفلسطيني لإبعادهم عن النضال الاقتصادي والاجتماعي داخل إسرائيل.
وتابعوا اليوم الحركات الشبابية في الدول الرأسمالية المتقدمة ضد البنوك وراس المال المالي ودورهما
في التأثير على سياسات تلك الدول حيث بدأت الخيام تنصب في الساحات العامة وحيث توجد البنوك, والتي نسى حكام تلك الدول الديمقراطية وراحوا يفرقون التجمعات بالقوة واستخدام الشرطة وخراطيم المياه والعنف وغيرها.

لا ينبغي لقوى اليسار أن تنتظر مجيء الناس إليها, بل أن تذهب إليهم, ولا ينبغي لها أن تعتمد على تراثها وتاريخها النضالي, فهما لم يعودا كافيين, بل يفترض خوض النضال مع الناس وكسب ثقتهم مباشرة.

إن من الضروري بمكان إثارة النقاش حول المشكلات وشد الناس للانخراط بالنقاش على غرار ما تمارسه مؤسسة الحوار المتمدن على سبيل المثال لا الحصر, حيث استطاعت أن تستقطب عدداً كبيراً جداً من النساء والرجال الشباب للمشاركة في الكتابة والقراءة وخوض الحوارات والنقاشات. وهو الذي يفترض أن تمارسه أحزاب وقوى اليسار الديمقراطي
- كيف يمكن للأحزاب اليسارية المشاركة بشكل فاعل في العملية السياسية التي تلي سقوط الأنظمة الاستبدادية ؟ وما هو شكل هذهِ المشاركة ؟

- تحتل أهمية بالغة مشاركة قوى اليسار والديمقراطية في الفعاليات الاحتجاجية والتظاهرات والانتفاضات التي تقوم في أي بلد من بلدان الشرق الأوسط, وليس الدول العربية وحدها. ولكي تكون بمستوى المسؤولية عليها أن تجدد نفسها وتحدَّث أفكارها وتجد سبلا أخرى للتنظيم بدلاً من الخلايا الصغيرة والسرية وممارسة الأساليب الديمقراطية في التنظيم وتخفيف شروط الانتماء والابتعاد عن الشعور بأنها هي الأفضل والأكثر إخلاصاً للشعب وهي التي تمتلك الحقيقة كلها والحق كله في الحديث باسم الطبقة العاملة والفلاحين ...الخ.

إن على قوى اليسار الديمقراطي أن تبلور في خضم المعارك السياسية السلمية الدائرة مواقفها وسياساتها وشعاراتها وقواها وإيجاد القواسم المشتركة لنضالها على أساليب تحالفات جبهوية في إطار قوى اليسار أولاً, وأن تجد لغة مشتركة مع القوى الديمقراطية واللبرالية التي تشترك معها في النضال ضد الاستبداد واحتكار الحكم والاضطهاد والقمع في ضوء المهمات التي تفرضها طبيعة المرحلة النضالية وبعيداً عن الهروب إلى الأمام أو النكوص إلى الوراء.

إن من أبرز المهمات التي تواجه قوى اليسار في هذه المرحلة وأثناء سير المعارك السياسية أو بعد سقوط النظم الاستبدادية أن تكون مستعدة فكرياً وسياسياً وتنظيمياً لتلعب دورها في مساعدة ودعم جهود الشبيبة لبناء تنظيم سياسي جديد يجمع الثوار إليه أو الانفتاح على الثوار للعمل المشترك أو أي صيغة تفرزها الحاجة والإمكانية والضرورة النضالية. لا يمكن لقوى اليسار أن تفرض نفسها على قوى الاحتجاج, إلا من خلال نشاطها ودورها الفاعل في الحركات الاحتجاجية الشبابية والانتفاضات الشعبية. كما يفترض ديمومة الحركة الاحتجاجية وعدم التخلي عنها أو القبول بنشوء خمول في كيانها أو أجزاء منها, إذ عندها تفقد ديناميكيتها الضرورية لتحقيق الانتصار من خلال الانخراط الكامل بها واعتبارها المهمة المركزية لها دون فرض وصايتها على أحد, بل التعامل مع الثوار بندية عالية ووعي مشترك لأهمية حماية الحركة وتطورها والدفاع عنها.

إن المهمات التي تواجه الحركات الاحتجاجية الشعبية والانتفاضات متباينة من بلد إلى آخر, ولكنها من حيث المبدأ تسعى إلى تحقيق التغيير صوب المجتمع المدني الديمقراطي وفي كل دول منطقة الشرق الأوسط.

إن التأثير الإيجابي الفعال في الحركة الشعبية يتطلب من القوى والأحزاب السياسية اليسارية, وبضمنها الأحزاب الشيوعية, أن تلعب دورها في بلورة شعارات ملموسة لكل فئة من فئات المجتمع, سواء أكان ذلك من الناحية الطبقية أم من الناحية المهنية كالعمال في مختلف قطاعات عملهم والفلاحين بمختلف شرائحهم, والطلبة والمثقفين والنساء والفتيان والشباب, إضافة إلى فئات الكسبة والحرفيين بما يسمح بتعبئة هذه القوى وراء تلك الشعارات الملموسة والمعبرة عن مصالحهم وربطها بواقع الحال وسياسات الحكومات المتعاقبة وتجاهلها لتلك المطالب والمصالح الحيوية من جهة, كما من الضروري ربطها بالمصالح الوطنية والديمقراطية والحريات العامة للفرد والمجتمع. إن هذه المهمة تستوجب بذل الجهود للتعرف على أوضاع جميع هذه الفئات, ومنها الشبابية والرياضية والفنية والأدبية, بما يساعد على صياغة مطالبهم والدفاع عن مصالحهم من خلال وسائل إعلام قوى اليسار التي يفترض أن تتجدد وتتحدث وتتنوع. كما لا بد من اختيار الأساليب النضالية المناسبة لإدارة الصراع والتعبئة وزج المجتمع في عملية نضالية ناجحة وشجاعة وغير هيابة, ولكن سلمية وديمقراطية
نحن أمام منافسة جادة في هذا المجال, إذ إن القوى الأخرى ترفع شعارات كثيرة ولكن لا تنفذها وهي في السلطة, في حين يمكن أن تشكل قوى اليسار الديمقراطي بشعاراتها الصائبة والملحة عوامل ضغط متواصل على تلك الحكومات تجبرها على تنفيذ بعضها مثلاً, مما يساعد على إحراز مواقع مطلوبة في حركة الجماهير الشعبية. إنها عملية معقدة وطويلة وصبورة, ولكنها مثمرة في المحصلة النهائية خاصة إذا ما أخذ بنظر الاعتبار الواقع الجديد الناشئ والمتغير باستمرار على الأصعدة المحلية لكل بلد وكذلك الظروف والمستجدات الإقليمية والدولية, وإذا ما ارتبطت بأساليب نضالية ملائمة.

- القوى اليسارية في معظم الدول العربية تعاني بشكل عام من التشتت. هل تعتقدون أن تشكيل جبهة يسارية ديمقراطية واسعة تضم كل القوى اليسارية والديمقراطية العلمانية ببرنامج مشترك في كل بلد عربي, مع الإبقاء على تعددية المنابر, يمكن أن يعزز من قوتها التنظيمية والسياسية وحركتها وتأثيرها الجماهيري؟

- نعم هذا ممكن وضروري في آن واحد, حتى إن تعدد المنابر في الحزب الواحد أمر ممكن شريطة أن تضع الأسس السليمة والفعالة لمثل هذا التعدد في المنابر.

إن قوى اليسار في مختلف بقاع العالم ليست واحدة في شعاراتها وأهدافها أو المهمات التي تسعى إليها, ولكنها من حيث المبدأ تطمح وتعمل من أجل سيادة مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والسلام. ولكنها يمكن أن تختلف في السبل التي يمكن تحقيق هذه الأهداف. وبالتالي فإن التنوع في أساليب النضال في البلد الواحد أمر مفيد, ولكن يصعب الجمع أحياناً بين من يشهر السلاح لتحقيق الأهداف وبين من يناضل بطرق سلمية وشعبية للوصول إلى ذات الأهداف مثلاً. إذ من الممكن أن يخلق صعوبات لهذا الطرف أو ذاك, في حين إن مثل هذا التنسيق والتحالف الجبهوي في أوروبا يكون أسهل بسبب أن نضالهم قد أصبح ومنذ سنوات طويلة نضالاً سلمياً, يجمع بين النضال البرلماني والاحتجاجي الشعبي.
إن اتفاق قوى اليسار والديمقراطية في أن يكون النضال سلمياً مع التباين في عدد من الأهداف ذات المدى البعيد لا يعقد إمكانية التحالف النضالي في جبهة يسارية واسعة نسبياً وفي شارع عريض يجمعها على برنامج الحد الأدنى أو الحد المتوسط في حين يمكن أن يركن برنامج المدى البعيد جانباً.

إن أسلوب التحالف في جبهة يسارية ديمقراطية واسعة في أي من بلدان الشرق الأوسط, ومنها الدول العربية, أمر ممكن وضروري بسبب الأوضاع المتقاربة في هذه الدول من جهة, وبسبب تنامي القناعة بضرورات النضال السلمي لتحقيق الأهداف. وهي عاجزة عن تحقيق نجاحات في نضالها إن حافظت على تشتتها الراهن وعدم احترام بعضها للبعض الآخر في خياراته واختياراته. إذ أن القوى اليمينية تبرهن باستمرار على قدرتها في تجميع قواها لمواجهة الوضع أو مواجهة قوى اليسار والديمقراطية. إن على قوى اليسار أن تجد إمكانية لا لتحالف قواها اليسارية فحسب, بل وأن تجد لغة مشتركة مع قوى ديمقراطية وليبرالية علمانية ديمقراطية مستعدة للتعاون والتحالف معها بسبب الأوضاع السيئة السائدة في هذه البلدان وبسبب طبيعة التناقضات والصراعات السائدة فيها ومهمات المرحلة الراهنة.

إن المشكلة في قوى اليسار موروثة منذ عقود خلت, وهي ناجمة من ثلاث عوامل سلبية, وهي:

1. قناعة قديمة بأن الماركسية – اللينينية أو إحداهما هي حكر لحزب سياسي واحد هو الحزب الشيوعي في هذا البلد أو ذاك وهو شبيه بحديث الافتراق عند المسلمين " تفترق أمتي على ثلاث سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة", فكل الحركات خاطئة إلا الحزب الشيوعي. ورغم انتهاء مثل هذا النهج, ولكنه ما زال فاعلاً في الكثير من الدول النامية, ومنها الدول العربية.
2. تصور كل حزب أو كتلة يسارية إنها الأقوى والأكثر قرباً من الشعب والأكثر صواباً في سياساتها.

3. التركة الثقيلة لمشكلات الماضي بين القوى اليسارية, خاصة وأن الكثير من القوى اليسارية كان فاعلاً في الأحزاب الشيوعية في الدول العربية.

اعتقد بأن الجميع بحاجة إلى رؤية تتسم بالواقعية والموضوعية له وإزاء الآخرين وأن تسود الحكمة والتقدير الصائب والتواضع والقناعة بأن كلاً منها لا يحقق أي نجاح, ونجاحات معينة ممكنة في حالة التحالف والعمل المشترك في ما بينها ومع بقية القوى الديمقراطية العلمانية.

- هل تستطيع الأحزاب اليسارية قبول قيادات شابة ونسائية تقود حملاتها الانتخابية وتتصدر واجهة هذهِ الأحزاب بما يتيح تحركا أوسع بين الجماهير و أفاقا أوسع لاتخاذ المواقف المطلوبة بسرعة كافية ؟

- يفترض أن أؤكد هنا بشكل واضح لا يقبل الالتباس بأن من واجب الأحزاب والقوى اليسارية ان تعتمد العنصر الشبابي من النساء والرجال في قياداتها السياسية وفي حملاتها الانتخابية وفي قوائمها للانتخابات أو في النقابات والجمعيات أو في منظمات المجتمع المدني التي يساهم أعضاء هذه القوى العمل فيها.

إن النجاح في اجتذاب الشباب من النساء والرجال للعمل في الأحزاب والقوى اليسارية الديمقراطية يعتبر إنجازاً كبيراً لهذه القوى لأن الشباب هو عماد الحركات الشبابية والقوة المحركة للمجتمعات في كل الأوقات وفي كل مكان, وبالتالي, وبالتالي(حذف) فأن زجهم في قيادات ونشاطات تلك القوى وفي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليس ترفاً بل واجباَ وضرورة قصوى لتحريك الشباب والشابات في المجتمع للعمل في الأوساط الشعبية وفي صفوف مختلف الفئات الاجتماعية.

ليس فينا من لا يدرك الروح التي يتحلى بها الشباب فهم:

*** يتميزون بالحيوية والحركة والقدرة على الاستمرارية في العمل؛

***وهم يتسمون بالمبادرة والإبداع والقدرة على الحوار والنقاش الفكري والسياسي؛

*** وهم يمتلكون الطاقة الفكرية والقدرة السياسية على التفكير المستقل واتخاذ القرارات الحازمة والسريعة؛

*** كما إنهم يمتلكون الجرأة على اتخاذ القرارات وتنفيذها بسرعة ومسؤولية كاملة؛

*** وهم يمتلكون الأساليب المناسبة لإيجاد الصلات السريعة بالمجتمع وتبني أهدافها والتعبير عنها بوضوح وحيوية؛

*** وهم على استعداد للتعلم بسرعة والاستفادة ممن سبقوهم في التجربة ومن كبار السن من العاملين في إطار الأحزاب أو القوى اليسارية؛

*** إضافة إلى قدرتهم على استخدام الأساليب والتقنيات الحديثة وهم على مقربة من أحدث المعارف والمعلومات التي تصل إليهم وبسرعة عبر وسائل الاتصال الحديثة.

ومن هنا يتبين لنا أهمية وجود شابات وشباب في قيادات الأحزاب والقوى اليسارية وعلى رأس مختلف مجالات العمل الفكري والسياسي والنقابي .... الخ.

- قوي اليسار معروفة بكونها مدافعة عن حقوق المرأة ومساواتها ودورها الفعال، كيف يمكن تنشيط وتعزيز ذلك داخل أحزابها وعلى صعيد المجتمع؟

- كافة قوى اليسار في العالم لها موقفها الإيجابي والبناء من المرأة وحقوقها ومساواتها بالرجل, كما لها تاريخها المشرف وتراثها الكبير والقيم في الدفاع عن حقوق المرأة كاملة غير منقوصة. والحركة الاشتراكية العالمية منذ القرن التاسع عشر رفعت شعارات المساواة بين الرجل والمرأة وتضمنت بيانات الأممية الثانية في ذلك القرن الكثير من الافكار الناضجة في هذا الصدد. كما إن كتاب أوغست بيبل القيادي الألماني في الحركة الاشتراكية الألمانية الذي نشره في العام 1879 تحت عنوان "المرأة والاشتراكية" يجسد موقف الاشتراكيين واليسار عموماً من حقوق وحرية المرأة.

وكانت قوى اليسار العربي, قبل وبعد تشكيل الأحزاب الشيوعية في الدول العربية قد رفعت راية النضال من أجل حرية وحقوق المرأة ومن اجل إدخالها بالتعليم الحديث ومشاركتها الرجل في كافة المجالات. وقد برز هذا في مصر وسوريا ولبنان منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وعلى امتداده. كما كان اليسار العراقي قد بدأ نضاله من أجل حقوق المرأة وحريتها والتخلص من السجن الأسود, العباءة , قد بدأ منذ بداية العشرينات وتجلى ذلك في نضال محرري جريدة "الصحيفة" التي كانت تصدر ببغداد برئاسة الاشتراكي المعروف حسين الرحال والتزمت موقف الدفاع عن السفور, كما شارك الكثير من الشعراء والأدباء في النضال من أجل تعليم المرأة وسفورها وحريتها, ومنهم الشاعر جميل صدقي الزهاوي.
هذا من حيث المبدأ وبشكل عام ومن خلال الممارسة العملية أيضاً. ولكن على الإنسان, وهو يبحث في هذا الموضوع الحيوي, أن لا ينسى حقيقة أن قوى اليسار في الدول العربية, كأفراد ومنظمات, تشكل جزءاً عضوياً من المجتمعات التي نشأت وترعرعت وتطورت فيها, وهي تحمل من حيث المبدأ ذات التقاليد والعادات والمثل والسلوك العام والطباع التي تسود بين شعوب هذه البلدان بالارتباط مع طبيعة علاقات الإنتاج السائدة فيها ومستوى تطور القوى المنتجة ووعيها الاجتماعي. ومع إن الكثير من هذه القوى قد تبنت الفكر اليساري والتقدمي فإنها كانت وما تزال تواجه في الواقع المعاش مشكلات كثيرة في الموقف من المرأة, منها ما هو اجتماعي, ومنها ما هو ديني, ومنها ما هو ذكوري (فحولي متخلف!) ومنها ما هو سياسي يعيق حركة قوى اليسار صوب تطوير العلاقة مع المرأة ومحاولة دفعها للعمل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي ضمان استقلاليتها وحياتها الحرة ومساواتها بالرجل.

تلتزم قوى اليسار برنامجياً وبشكل عام بحقوق المرأة المنصوص عليها في وثائق الحركة الاشتراكية والشيوعية العالمية والقوى اليسارية الأخرى, ومنها كتاب المرأة والاشتراكية, وكذلك تلتزم بالوثائق والعهود الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة وهيئات وجمعيات حقوق الإنسان وحقوق المرأة, بل إن قوى اليسار تلتزم بذلك حتى قبل صدور مثل هذه العقود والمواثيق بمبادئ أساسية إزاء المرأة. وهي تناضل من أجل ضمان تلك الحقوق من جهة, وحق المرأة في استخدام واجباتها في المجتمع من جهة أخرى. إذ إنها في الغالب الأعم محرومة من أكثر الحقوق والواجبات معاً.

ولكن ماذا يحصل في الواقع العملي؟

في الغالب الأعم تتغلب التقاليد والعادات والمثل القديمة التي يتشبث بها المجتمع الذكوري في هذه البلدان على سلوك اليساريين كأفراد وتؤثر بشكل واضح على سلوك المنظمات اليسارية أيضاً بشكل مباشر أو غير مباشر. وتأخذ المنافسة واحتلال المواقع في الأحزاب والقوى اليسارية دورها أيضاً في إبعاد المرأة عن مراكز المسؤولية وتحت واجهات عديدة لا تصمد في النقاش الجاد والموضوعي. ولهذا نفتقد إلى وجود جاد وملموس للمرأة في قيادات الأحزاب الشيوعية والقوى اليسارية. 
الكثير من قوى اليسار في بلدان الشرق الأوسط يتحدث عن حرية وحقوق المرأة وحقوق الإنسان ولكنه يتصرف ضمن عائلاته إزاء المرأة بشكل لا يختلف عن أكثر الأفراد تخلفاً ورجعية في المجتمع, مثل الضرب أو عدم الاحترام أو عدم الثقة أو حجب حريتها إن كانت أخته أو ابنته. حتى إن البعض الذي يعتدي على زوجته وصديقته في أوروبا رغم عيشه الطويل فيها لم يتخلص من تلك التصرفات التي يتقبلها المجتمع الإقطاعي والعشائري والبدوي ويقرها الدين, ولكن يرفضها الفكر اليساري والفكر الحقوقي أو القانون الديمقراطي أو المجتمع المدني عموماً.

إن قوى اليسار بشكل عام تعتبر من القوى الأكثر دفاعاً عن حقوق المرأة وحريتها ومساواتها بالرجل. وهو أمر جيد ولكنه يحتاج إلى مجموعة من الإجراءات المساعدة على تحقيق مشاركة أوسع للمرأة في الحياة الحزبية والسياسية والفكرية والاجتماعية وعلى مستوى الدولة والمجتمع. ويمكن الإشارة إلى بعض الإجراءات كمهمات تلتزم بها الأحزاب والقوى اليسارية الديمقراطية. ومنها:

1. وضع برنامج خاص في كل حزب من هذه الأحزاب من أجل تنشيط العمل بين النساء عموماً ومن أجل زيادة عدد المنتسبات للقوى والأحزاب اليسارية والنقابات والجمعيات ... إلخ.

2. وضع برنامج خاص لتأهيل النساء للعمل السياسي والاجتماعي وتطوير الفكر السياسي لدى الحزبيات وخاصة الشابات, مثل دورات تثقيفية وتكليف بمهمات محددة ومتابعة نشاطهن.

3. الالتزام بتقديم النساء إلى مراكز قيادية حتى في حالة وجود رجال أكفأ منهن لتلك المهمات, إذ بدون هذا الإجراء سوف يستمر إبعاد النساء عن مراكز المسؤولية .

4. ضرورة امتلاك الجرأة بتكليف النساء بمهمات ذات طبيعة قيادية في مجالات النقابات والجمعيات المدنية وكذلك في الأحزاب السياسية وفي حملات الانتخابات أو الحملات النضالية والاحتجاجية.

5. وضعهن في لجان وفي هيئات للمفاوضات أو في وفود لزيارة أحزاب ومنظمات إقليمية ودولية.

6. تنشيط دورهن في الإعلام الحزبي والعام ودعم الشابات منهن في نشر نتاجاتهن الفكرية والصحفية حتى لو كانت في البداية ذات أسلوب أو مضامين ضعيفة, إذ إنه الطريق للتقدم والتطور.

7. إن تجارب الأحزاب الشيوعية واليسارية مع نضال المرأة رائعة ويفترض أن تكون هذه نماذج قدوة لنضال المرأة داخل هذه الأحزاب.

8. إلا إن أهم من كل ذلك يفترض أن تسود الديمقراطية في داخل هذه الأحزاب لتمارس المرأة دورها الفعال فيها.

- هل تتمكن الأحزاب اليسارية والقوى العلمانية في المجتمعات العربية من الحدّ من تأثير الإسلام السياسي السلبي على الحرّيات العامة وحقوق الإنسان وقضايا المرأة والتحرر ؟

- نعم, إن الأحزاب والقوى اليسارية في مجتمعات الدول العربية قادرة على الحد من تأثير الإسلام السياسي على الحريات العامة وحقوق الإنسان وحقوق المرأة. ولكن متى؟ وكيف؟

لا يكفي أن تلتزم قوى اليسار الديمقراطية برفع شعارات تلح على ضمان مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات, بل يستوجب ضمان عدة مستلزمات أساسية:

1. أن تسعى قوى اليسار الديمقراطي إلى تعبئة قواها السياسية في تحالف واسع ومتين لتواجه مشروعات القوى المضادة لحقوق وواجبات المرأة. إذ بدون ذلك تبقى ضعيفة وعاجزة عن أداء الدور المطلوب في هذا الصدد.
2. أن ترفع الشعارات المناسبة حول حقوق وواجبات المرأة وحريتها ومساواتها بالرجل واستقلاليتها الاقتصادية الاجتماعية.
3. أن تخوض معركة فكرية مع القوى المناهضة لحقوق وواجبات المرأة من خلال مناقشة أفكار تلك القوى وتحليلها وإبراز عيوبها ونواقصها ومخاطرها على حرية المجتمع كله من خلال السطو على حقوق وحرية النساء. ويفترض أن لا نتراجع أو نتردد في مناقشة الفكر الديني في الموقف من المرأة ومن حريتها وفرض القيود الاجتماعية عليها... الخ.

4. أن تشارك المرأة مع الرجل في النضال من أجل حقوقها المشروعة والمغتصبة من قبل الذكور منذ مئات وآلاف السنين.
5. إن تشكل جمعياتها المستقلة والمشتركة التي تضع في برنامجها تحرير المرأة وتحت شعار "المجتمع الذي يغتصب حرية المرأة وحقوقها لا يتمتع بالحرية ولا يمارس حقوقه".

6. رفض وإدانة كافة أشكال التمييز ضد المرأة, سواء من قبل الدولة أو الحكومة أو القوانين أو الأعراف والتقاليد وتحريم الضرب أو التعذيب البيتي بحجة التأديب وعلى وفق "الشريعة !", أو القتل العمد بذريعة تطهير الشرف أو فرض الانتحار على المرأة وتشديد عقوبات قتلة النساء وكذلك الاغتصاب.

7. توسيع نشر الفكر الحر والديمقراطي الخاص بحقوق المرأة ومساواتها بالرجل وإدخال مادة حقوق الإنسان وحقوق المرأة في برامج التدريب في جميع مراحل الدراسة وفي المؤسسات والدوائر الحكومية وكذلك إقامة المحاضرات والندوات في المناطق السكنية.

8. نشر تجارب الشعوب المختلفة في نضال المرأة من أجل تبادل المعرفة والخبرة النضالية لصالح حقوق المرأة.

9. العمل من أجل سن قوانين ديمقراطية بما فيها قانون الأحوال الشخصية بما يخص المرأة وحقوقها من حيث الزواج والطلاق والإرث والعمل, بما في ذلك منع تعدد الزوجات والحق في الطلاق والالتزام بالقانون المدني في توزيع الإرث العائلي بين أفراد العائلة بالتساوي ...الخ.

10. حقها الكامل في إملاء كافة الوظائف الحكومية ابتداءً من رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء ومجلس النواب ومجلس القضاء الأعلى ومحكمة التمييز والمحاكم والقضاة وكافة دوائر الدولة ووظائفها.

- ثورات العالم أثبتت دور وأهمية تقنية المعلومات والانترنت وبشكل خاص الفيس بوك والتويتر..... الخ، ألا يتطلب ذلك نوعاً جديدا وآليات جديدة لقيادة الأحزاب اليسارية وفق التطور العلمي والمعرفي الكبير؟

- لا شك في أن عصر "ثورة الإنفوميديا", الثورة الثلاثية الأبعاد, [الحوسبة، والاتصالات، والوسائط المعلوماتية أو الإعلامية] وما ينشأ عنها من تقارب تقني يقود إلى إحداث نقلة هائلة في عالم الصناعة الإلكترونية التي تخدم النشاطات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والبيئية وتعجل من وصول المعلومات إلى الإنسان وبصيغ جديدة وحديثة ومتطورة, وهي التي تستوجب من الأحزاب السياسية اليسارية رؤية جديدة لهذه المنجزات لوضعها في الممارسة العملية في حياة ونشاط وإدارة وتنظيم وإعلام وعلاقات الأحزاب السياسية اليسارية بالفئات الاجتماعية وعموم المجتمع وبالمنطقة والعالم.

1. إن ثورة الإنفوميديا ستساهم في تحقيق المنافسة الفعلية في الوصول إلى فئات المجتمع من حيث السرعة والفكر والتحليلات السياسية وفي تشخيص المهمات والأهداف.

2. وهي القادرة على اختصار الاجتماعات والقضايا الورقية بما توفره من وسائل اتصال حديثة تصل إلى المتلقي خلال لحظات.
3. كما إنها تتطلب تغييرات جادة وكبيرة في أسس الإدارة العلمية للمنظمات الحزبية والتنظيمات عموماً واستخدام الاجتماعات عبر الماسنجر أو البال توك, إضافة إلى القدرة الفعلية لاستخدام الفيس بوك والتويتر وما إلى ذلك.

4. إن هذه الحقول الجديدة تستوجب توظيف فعال للشبيبة, نساءً ورجالاً, في العملية التقنية لتوفير أحدث الأساليب في تحقيق الاتصالات وتبادل المعلومات والنقاشات الفكرية والسياسية بين الأحزاب اليسارية والمجتمع.

5. ومنجزات الثورة العلمية والتقنية, ثورة الإنفوميديا, توفر لأحزاب وقوى اليسار فرصة ثمينة لاستخدامها في التحليل العلمي, المادي الديالكتيكي, للأحداث الجارية وعلاقاتها المتبادلة وتاثيراتها ونتائج فعلها واستيعاب حركة و فعل القوانين الاقتصادية الموضوعية, بهدف الوصول إلى فهم لجوهر التحولات الجارية في العالم وعلاقاتها المترابطة والسياسات التي يفترض أن تمارس من جانب هذا الحزب أو ذاك في هذا الواقع الفعلي القائم على الأرض أو ذاك. إنها الأدوات العملية التي تسمح للتحليل العلمي بتحقيق تقدم ملموس لم يكن متوفراً في السابق.

6. وهي تتطلب خطاباً سياسياً جديداً مختصراً أو مكثفاً وواضحاً ويوضع في إطر جميلة ومحفزة على تبادل المعلومات وتطوير الاتصالات مع الناس.

قوى اليسار ما تزال بعيدة نسبياً عن استخدام هذه الأساليب لأسباب مالية, ولكن لا بد لها من السعي لتوفيرها والعمل بها لصالح تطوير دورها في الحركة الفكرية والسياسية والاجتماعية وخوض المنافسة العقلانية والجادة مع بقية القوى السياسية.
إن التحركات الاحتجاجية والانتفاضات الشعبية الأخيرة قد استطاعت أن تنجح في تعبئة قوى واسعة وفي فترة قصيرة نسبياً بسبب استخدامها للتقنيات الحديثة في عملها التعبوي اليومي. وهو الذي يستوجب اعتماده وتطويره وتحسين استخدامه. 
- بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس الحوار المتمدن، كيف تقيمون مكانته الإعلامية والسياسية وتوجهه اليساري المتفتح ومتعدد المنابر؟

- خلال عشر سنوات من عمر موقع الحوار المتمدن تمكن العاملون والعاملات في هذه المؤسسة الفكرية والسياسية اليسارية الديمقراطية المقدامة أن تطرح في الساحة الفكرية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط وللناطقين باللغة العربية رؤية وممارسة متفتحة وناضجة وفعالة ومؤثرة لقوى اليسار, وأن تفتح منبراً يسارياً يتحرك في شارع عريض تتعدد فيه وجهات نظر قوى اليسار وتتفاعل وتتصارع بأسلوب حضاري وإنساني سليم يتوافق مع الفكر اليساري الإنساني ذاته.

لقد كان الموقع مدرسة كبيرة وحديثة لمن يريد أن يبشر بفكره اليساري أو من يريد أن يتعرف على الفكر اليساري بمدارسه المتعددة ووجهات نظره الكثيرة, أو من يريد ان يمارس النقد البناء, رغم بروز من لم يحترم أسلوب النقد البناء وأجبر الموقع على وضع معايير للحفاظ على المستوى الحضاري المنشود للموقع وكاتباته وكتابه وقارئاته وقرائه.
لقد استطاع الموقع أن يحقق قفزة نوعية كبيرة ويرتقي إلى مستوى متميز بين المواقع واحتل, كما يبدو لي الموقع الأول بين مواقع قوي اليسار والديمقراطية الملتزمة بالخط الفكري اليساري العام والمسؤول, رغم ظروف العمل الصعبة والتي جاءت على حساب صحة المسؤولين والعاملين في الموقع.

ولم يكن اعتباطاً حصول الموقع على جائزة ابن الرشد للفكر الحر التي منحت للموقع في العام 2010 , بل جاء بسبب دفاعه الرائع عن مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة ومساواتها بالرجل وفي سبيل العدالة الاجتماعية ولصالح حقوق القوميات العادلة والمشروعة وحق تقرير المصير, وكذلك بسبب نضاله الفكري والسياسي ضد الاستبداد والاستغلال والظلم والجور وضد التمييز القومي والديني والمذهبي والجنسي أو الفكري والسياسي.

لقد نشأ وترعرع جيل من الفتيات والفتيان الذين مارسوا بداياتهم الكتابية والصحفية في الحوار المتمدن وكانوا الرعيل الشبابي الذي ساهم في تطوير نفسه عبر الموقع من جهة وفي تطوير الموقع وتعزيز شبابيته الفكرية والسياسية.
أتمنى للحوار المتمدن العمر المديد والحيوية الدائمة والدأب في الدفاع عن قضايا الإنسان في كل مكان, عن مبادئ اليسار...

هذا الطريق الصعب وعن قيمه الإنسانية النبيلة وعن تراثه وتقاليده الحية وعن مستقبل الإنسان المشرق على هذه الأرض, رغم وجود كواسر تريد إيقاف عجلة التاريخ عند العلاقات الإنتاجية الرأسمالية الاستغلالية باعتبارها نهاية التاريخ !!! وقد أجبر فرنسيس فوكوياما على التراجع عن هذه الأطروحة الخاطئة.

أتمنى لأسرة الحوار المتمدن وكاتباته وكتابه وقارئاته وقرائه الصحة الموفورة والمزيد من الإنتاج الفكري والسياسي والإبداعي لإغناء موقع اليسار الديمقراطي المتقدم باستمرار وتطويره ووصوله إلى أرقى المستويات لخدمة الإنسان. 

برلين, 18.11.2011.

------------

* في الذكرى العاشرة  لتأسيس الحوار المتمدن.

** كاظم حبيب -   كاتب وسياسي عراقي وأحد العاملين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان؛ المصدر: الحوار المتمدن www.ahewar.orgالعدد: 3567 – 5.12.2011.

 


 

12/19/2011