מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

في ذكرى سالم جبران –

أمسية ادبية في كفر ياسيف

بدعوة ومبادرة من مؤسسة محمود درويش للإبداع، اقيم يوم السبت 25.2.2012 في قاعة المركز الثقافي أمسية أدبية لاحياء ذكرى الشاعر والكاتب سالم جبران بعنوان:"سالم جبران أحد رواد حركتنا الأدبية". ألقيت عدة كلمات استذكرت مسيرة المرحوم جبران لكل من: البروفيسور نعيم عرايدي، البروفيسور فاروق مواسي، الدكتور والناقد حسين حمزة، الشاعر سيمون عيلوطي، الاديب نمر نمر، بينما كان مسك الختام كلمة شقيق المرحوم البروفيسور سليمان جبران .

 

 

عوامل التكوين في سالم الشاعر والإنسان

  كلمة البروفيسور سليمان جبران

مهمّة غير سهلة أن أتحدّث عن سالم جبران. سالم أخي وصديقي، بل هو توأم روحي، على الأقلّ في عهد الطفولة والمراهقة في القرية، وفي سنوات ثلاث أخرى اقتسمنا فيها الهواجس والرؤى وغرفةً صغيرة في "درج الموارنة" في حيفا. كنّا، قبل أن تختلف بنا المسالك والمساعي، متماثلَين مزاجا وفكرا، مطامح ومواقف. لذا، فإنّي إذ أتحدّث عن سالم كأنّما أتحدّث عن ذاتي، وهذا ما لم نتعلّمه في بيتنا، ولا أظنّنا نجيده. مع ذلك، أجدني اليوم، وقد رحل سالم عنّا، مطالَبا لأوّل مرّة في حياتي بذكر بعض عوامل التكوين في تشكيل سالم الشاعر وسالم الإنسان.

في البقيعة كان المولد والنشأة، والبقيعة يومذاك على الأقلّ، كانت قرية متميّزة. في قلب القرية ساحة كبيرة مبلّطة، الحارة نسمّيها، تقسم القرية بالتساوي إلى شطرين، شرقي وغربي، كأنما هما الجناحان لهذا القلب الأخضر. ومن أضلاع الصخر في أقصى الشمال منها، تتفجّر "عين البلد" ثرّة نقيّة عذبة، فتسقي أهلها، وتروي حواكيرهم، واحدةً تحت الأخرى كأنما هي جنائن معلّقة. في الحارة أيضا  توتة أزلية رؤوم، هزلتْ في هذه الأيّام وانكمشت، كانت تحتضن الصغار والكبار؛ هؤلاء في لهوهم بالبنانير والمراشيق، وأولئك في منتداهم الشعبي؛ يروون الحكايات والنوادر والفكاهات، يردّدون الأشعار والأزجال، ويناقشون القضايا الصغيرة والكبيرة، فيتّفقون مرّة ويختلفون مرّات، دونما حقد أو ضغينة. المراة فقط لم يسعفها حظّها في ارتياد هذا المنتدى إلا لماما ومن بعيد؛ صبايا تأتي العين في أبهى زينتها، فتملأ جرارها ماء، وقلوبَ الشباب حسرات، ونساء يقطعن الحارة في الطريق من البيت أو إليه. في هذه الحارة وتحت هذه التوتة أمضى سالم، أمضينا جميعا، أجمل أيّام الطفولة، فبقيت راسخة في الأعماق. وإذا كانت ظروف الحياة أقصت سالم عن قريته كبيرا، فقد ظلّت البقيعة، بحارتها وعينها وتوتتها وحواكيرها و"المستحيّة"، ماثلة في قلبه ووجدانه وشعره، لم تبرحها يوما!

بيتنا أيضا، حيث وُلد سالم وتربّى، كان في حارة عجيبة؛ حارة كوزموبوليتية، أو "تعدّديّة" بلغة هذه الأيّام: إلى الغرب من بيتنا كان بيت عائلة يوسف الزيناتي اليهوديّة، حائط لزقَ الحائط. وتخرج من بوّابة البيت فترى أمامك مباشرة بيت جارنا "أبو نعمة" المسيحي، وعن يسارك، عبر الشارع، كنيسا لليهود شامخا، يكاد يغطّي الفضاء، تمتدّ أمامه "بيوت اليهود" الخربة؛ ملاعب صبانا. وتنزل في الطريق إلى الغرب أمتارا، فتمرّ ببيت جارنا "أبو محمّد فارس" الدرزي، ملاصقا لبيت "خالتي زينة" المسلم. نعم، في هذا المحيط الضيّق من الأرض تعايشت تشكيلة كبيرة من العائلات والأديان، في سلام ووئام، كأنّهم جميعا عائلة واحدة؛ يتشاجر صغارهم  لأتفه الأسباب، إلا أنني لا أذكر "طوشة" واحدة صغيرة بين كبارهم. قد تبدو هذه الصورة لكثيرين في هذه الأيام يوتوبيا متخيّلة، إلا أنّها في الأيّام تلك كانت واقعا يوميا طبيعيّا، لم نجد فيه فرادة أو غرابة. فهل من غرابة إذا لم يعرف سالم، وقد ولد ونشأ في هذه الحارة التعدّدية، عصبيّة قوميّة، أو دينيّة، أو طائفيّة؟

العامل التكوينيّ الأخير، ولعلّه الأساسي أيضا، في سالم الشاعر والإنسان والسياسي، هو البيت طبعا. وأقول، دون مباهاة ناشزة أو تواضع كاذب، وكلاهما واحد، إنّه كان بيتا مختلفا. بيت طويل من الطراز الفلاحي  التقليدي، يجمع بين جدرانه ثمانية أولاد، ستة إخوة وأختين، يُعنى بتنشئتهم والدان عانى كلاهما، في الطفولة، اليتم والفقر والقهر. إلا أن الطفولة البائسة هذه أنتجت من والدينا شخصيّتين متغايرتين تماما: والدة يغلب صمتها على كلامها، تقوم راضية مخلصة بمسؤولياتها الشاقّة في البيت والحقل، قانعة ببيت طافح بالأولاد والطموح. لكنّها لا تنسى لحظة أنّها "مقطوعة من شجرة"، لا أخ لها ولا أخت، فتصطبغ حياتها في الغالب بالاستكانة والانكسارية والضعف. الوالد أيضا عاش، كما ذكرت، يتيما، "ابن أرملة" بأسلوب تلك الأيام، في عهد لا يرحم الأيتام ولا الأرامل. إلا أن الظروف القاسية ذاتها، من يتم وظلم وإقصاء، خلقتْ منه ثائرا ﮨ "وظيفة كاملة" على المؤسسات والمواضعات كلّها من حوله؛ السياسيّة والاجتماعية، والدينيّة أيضا! الشطر الأوّل من حياته كلّه أمضاه في "انتفاضة" مستمرّة على المؤسسات الجائرة تلك، مسلّحا بذراعه وعصاه، وثقة بالنفس لا تهتزّ، وإيمان بالتفوّق راسخ، لا تنال منه الظروف ولا المعوّقات. كان والده، داود الجبران، كما حدّثنا غير مرّة عن أمّه، حاديا معروفا. وقد مال في شبابه فعلا إلى اقتفاء طريق أبيه، لكنّه لم يجد في هذا الفنّ غير المديح الكاذب وابتذال الذات، فعزفت نفسه عن هذا المسلك، فلم يبق منه فيه سوى حفظ الأزجال وتأليفها أيضا، وشغف بالأدب عجيب،  وتقديس للشعر والشاعر. لذا، كان شغلنا الشاغل أيضا، في أمسيات الشتاء الطويلة حول الموقد، حفظَ القصائد وإلقاءها، ومساجلات في الشعر والزجل تبدأ ولا تنتهي. في هذا البيت المشبع فضاؤه بالثورة والشعر، المحكوم بكاريزما الأب ومُثله، وُلد سالم، وتنفّس هواءه، فحمل شهوة تغيير العالم حتى آخر يوم في حياته.

من هذا البيت المختلف، من هذه الحارة التعدّدية، من هذه القرية المتميّزة، كانت بداية سالم. والبقيّة أرجو أن تأتي في مناسبة أخرى، أو مجال آخر.     

 

 

 

 

 

                        

 

 

 

 

3/5/2012