מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

مصر: كشف الغطاء

بقلم: فريدة النقاش*

تعيش مصر حالة تحول كمرحلة خاصة جدا في تطور المجتمع حيث يواجه هذا التطور صعوبات بلا حصر داخلية وخارجية، والداخلية في حالتنا هي الأساس إذ أن السلطة الجديدة وهي تعيد إنتاج النظام الاجتماعي الاقتصادي لعهد «مبارك» مدعية أنها تقيم نظاما جديدا اختارت أن تجري التغيير في ميدان الثقافة والسياسة مع الإبقاء علي الأساس المادي القديم أي علاقات الإنتاج الرأسمالية إضافة للإعلاء من شأن الطابع التجاري والنشاط الطفيلي وتمتين علاقات التبعية مع الولايات المتحدة الأمريكية مع إزاحة أهداف ثورة 25 يناير إلي الخلف، أو التعامل معها متحفيا باعتبارها أيقونات لحركة انقضي زمانها وبدأ عصر الاستقرار طبقا لأدبيات الحكام.

ولم تخطئ قوي المعارضة الديمقراطية حين خاضت المعركة مع حكم الإسلام السياسي علي أرضية الثقافة والسياسة وأزاحت – مؤقتا – الوضع الاقتصادي الاجتماعي، لأن المعركة علي أرض السياسة والثقافة كانت وماتزال من الخطورة بمكان لأن مشروع الدولة الحديثة التي تقوم علي المؤسسات والفصل بين السلطات أصبح مهددا بصورة جدية، فالإسلام السياسي في حين يوجه الضربات المنظمة لمؤسسة القضاء ويلحقها بسلطة الحكومة أو بالأحري يخضعها لهذه السلطة فإنما يتطلع إلي ما يسميه المحاكم العرفية التي تفصل في القضايا وفقا لشرع الله كما يرونه هم بديلا عن القانون وتقيم الحدود فتقطع الأيدي والأرجل والرقاب وترجم الزانية وهلم جرا، وبدلا من التعليم الإلزامي العام تقيم الكتاتيب ومدارس حفظ القرآن، أو تحول هذه الشبكة الهائلة من المدارس العامة إلي القطاع الخاص حيث يمتلك الإسلاميون مدارسهم ويتطلعون – بنهم – إلي الاستيلاء علي المدارس الحكومية حين خصخصة التعليم، وهذه الخصخصة هي مشروع مؤجل مؤقتا من مشروعات الإسلام السياسي والذي هو أيضا موضوع لصراع مؤجل مع القوي الديمقراطية.

كذلك يدور الصراع الضاري الآن بين الإعلاميين العاملين في إعلام الدولة وهم يدافعون عن حرية هذا الإعلام وموضوعيته باعتباره مملوكا للشعب وليس للحكومة وبين الوزير الإخواني الذي يسعي إلي تحويل هذا الإعلام إلي بوق للإسلام السياسي وأفكاره ورؤاه الأحادية ضيقة الأفق التي تختزل العالم في ثنائية الإيمان – الكفر لتغطي علي حقيقة الصراع الطبقي المحتدم في البلاد.

يطبق الإسلام السياسي الحاكم هذه الاستراتيجية لهدم الدولة الحديثة في كل المؤسسات والمجالات مع الإبقاء بل والتشبث بالطابع الرأسمالي الطفيلي التابع للاقتصاد.

ولكن جماهير ثورة 25 يناير بادرت هي نفسها لنقل الصراع تدريجيا إلي أرض العلاقات الاقتصادية – الاجتماعية حين رفعت شعار لا للغلاء لا للاستفتاء وخرجت متظاهرات ممسكات بالحلل الفارغة وبدأن الدق عليها وقد تعلمن من تجارب بلدان أمريكا اللاتينية أثناء نضالها لإسقاط الديكتاتوريات.

وهكذا بدأت مؤخرا عملية كشف الغطاء عن حقيقة السياسات الاقتصادية – الاجتماعية لحكم الإسلام السياسي، وإذا ما انكشف هذا الغطاء كلية سوف يتبين لنا الحجم الواقعي لقوي الإسلام السياسي خاصة إذا ما دخل العمال والفلاحون بكل قوتهم إلي الميدان، ولابد من الانتباه هنا إلي أن ضعف أحد المعسكرين لا يعني تلقائيا القوة والتلاحم لدي المعسكر الآخر، إذ أن هناك صراعات خفية ومعلنة بين قوي الإسلام السياسي وفي داخل حلفها، كما أن القوي الاحتياطية المباشرة وغير المباشرة لمعسكر ثورة 25 يناير التي لم ترفع شعارا دينيا واحدا لاتزال كامنة وهي بدورها مشتتة وتدور في داخلها صراعات صغيرة وشخصية ولم يجر استنهاضها كلها بعد وسوف تجري عملية استنهاضها في القريب العاجل لا فحسب عبر وعيها بقدرتها التي تفتح وتقدم ووضوح رؤيتها الذي أنجزته الثورة وعبر قدرة قادتها علي تنظيمها وإنما أيضا عبر المعطيات الواقعية ذاتها التي يتدهور في ظلها مستوي معيشتها، وينغلق المستقبل أمامها ويهددها الجوع الفعلي حتي أن القول بثورة جياع قادمة ليس من قبيل المبالغة وهذه جميعا عوامل سياسية وثقافية متداخلة تنعكس يوميا علي الواقع الاقتصادي – الاجتماعي وتؤجج الصراع الطبقي، وهي جميعا عوامل فاعلة وتغييرية متحركة لا يخضع فيها الأمر الممكن إلي الأمر الواقع لأن قوة الغضب الجماهيري واتساع قاعدة العمال والفلاحين والفئات الوسطي تدق بقوة علي أبواب ممكنات شتي وتطيح بالمعني المستقر في الأفكار البليدة والذي يقول إن السياسة هي فن الممكن وحسب يقول لهم الواقع الفعلي إن الثورة تفتح آفاق الممكنات وهي في حالة حركة دائبة.

ولا ننسي في هذا الصدد أن الغطاء الذي انكشف قد بين إلي أي حد لم تعد قطاعات واسعة من الجماهير البسيطة تنخدع بالخطاب الديني الأصولي بل وتري أن تدينها – أي تدين الجماهير – هي الأصح والأقوي وهذه إضافة أخري لرصيد الثورة المستمرة.

-------------

* فريدة النقاش-  كاتبة صحفية ومعارضة يسارية مصرية.  رئيسة تحرير لجريدة الأهالي التي تصدر عن حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي. المصدر: الحوار المتمدنwww.ahewar.org – العدد: 3946 – 19.12.2012.

 

 

12/20/2012