מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

كتاب جديد لنعيم الأشهب

دروب الألم... دروب الأمل

سيرة ذاتية *

 

المقدمة

 

.. أما ورحلة العمر توشك أن تبلغ نهايتها المحتومة، ولما كانت هذه الرحلة، وعلى مدى أكثر من نصف قرن، تدور في إطار قضايا عامة، فإن ما اكتبه عن هذه الرحلة هو، كما أزعم، ليس أمراً شخصياً، بل جزءاً من الهم العام - إن صح التعبير- وفي هذا الصدد، يحدوني الأمل بأن يكون في هذه السيرة فائدة.. أية فائدة، ولأي كان، حتى ولو لغرض قياس الزمن ووتائر تطوره المتسارعة، وبخاصة من زاوية المقارنة بين ظروف الحياة والعمل التي كان علينا اجتيازها وظروف حياة من يخلفوننا، مأخوذ في الحسبان أنه كان على جيلي أن يمشي حياته كلها تقريباً على طريق الآلام. تلك الطريق التي جرى فرضها على شعبنا، وأن يعرف - تبعاً لذلك - أربعة أنماط من السلطة، حتى الآن، وهو أمر استثنائي في العصر الحديث، كما اعتقد. مع أن ذلك هو النتاج المركب لاستثنائية وخصوصية مأساة شعبنا الفلسطيني. وهذه الأنماط من السلطة هي: حكومة الانتداب البريطاني، الحكم الأردني، الاحتلال الإسرائيلي، وأخيراً الانتقال التدريجي للحكم الوطني الفلسطيني.

ولعل الانطباعات المتنوعة والمتباينة عن العيش والعمل في ظل هذه الأنماط المختلفة من السلطة تبرر، ولو لوحدها، أن يسجل المرء ذكرياته وانطباعاته.

أكثر من ذلك، أزعم أن هذه المادة هي نوع من كتابة تاريخ مرحلة معينة، ولو من زاوية خاصة، لأحداث إما عشتها أو كنت شاهداً عليها.

وفي سياق الحكم، اليوم، على تصرفاتي السابقة، فمن الطبيعي والمنطقي أن يكون طرأ عليها الكثير من التغيير في تفاصيلها. فحصيلة تجارب المرء وقناعاته تجسد، آخر الأمر، استخلاصاته من الخطأ والصواب في حركته وممارساته، وهي استخلاصات نسبية في جميع الأحوال. لكن علاوة على هذه العملية الطبيعية في المراجعة، التي لا تنقطع للأحكام والاستخلاصات، كانت هناك عملية «قيصرية» - إن صح التعبير - في مراجعة هذه الأحكام والاستخلاصات.. فرضت نفسها نتيجة الزلزال الناجم عن انهيار الاتحاد السوفييتي وبقية أنظمة الحكم في المعسكر الشرقي، وسط وشرقي أوروبا. فقد هزّ هذا الانهيار قناعات كانت تبدو مسلمات، وأعادت إلى وعينا المسار القويم الذي حدنا وانحرفنا عنه، عن غير وعي، نحو نوع من الإيمان السلفي.

وباختصار.. لقد ارتكبت في هذه الحياة المتواضعة من الهفوات والأخطاء والنواقص وحتى الحماقات، الشيء الكثير. ومع ذلك، فأنا راضٍ عن المجرى العام لهذه الحياة.. ببساطة لأن جلّها كان في خدمة قضايا شعبي ووطني أولاً، وقضايا الإنسانية ثانياً، وأنه كان لهذه الحياة ما يبررها، على الأقل أخلاقيا كما اعتقد. فالإنسان الحقيقي –كما أزعم– هو الذي يتجاوز ذاته، في مجرى حياته ونشاطه ليشملا دائرة أوسع وأرحب من هذه الذات. وكلما اتسعت هذه الدائرة، تعمقت ملامح إنسانيته. لقد احترمت، على الدوام، وأعجبت بأولئك الذين كانوا يضحّون بحياتهم من أجل قضية عادلة أو فكر آمنوا به، حتى ولو كنت على خلاف كامل معهم، بمن في ذلك أولئك المبشرين المسيحيين الأوائل الذين كان حكام روما القديمة يقدمونهم للوحوش الكاسرة، ولكنهم - أي هؤلاء المبشرين - لا يتخلون عن قناعاتهم.

وأزعم، في هذا السياق، أن رجل السياسة الذي يعمل لصالح قضية وطنية أو اجتماعية - تقدمية، لا بد أن يلتزم بمعايير في حكمه على الآخرين، والمعيار الأساس هو موقف هؤلاء الآخرين وسلوكهم من القضية المعنية المشتركة، وليس موقفهم من رغباته الذاتية، وهنا يكمن الفارق بين الذاتية الفردية والذاتية الاجتماعية، مأخوذ في الحسبان أن مثل هذه الكتابة لا يمكن أن تكون محايدة ولا موضوعية بالمطلق.

وبمعنى آخر.. هناك فارق بين التحيز الفردي والتحيز الاجتماعي.

 وأخيراً، أرجو أن لا أثقل على القارئ ببضع صفحات عن حياتي الخاصة، زمن طفولتي، وقبل الانخراط في العمل السياسي، والتي ربما لا تعني أحداً سواي. لكنها تبدو لي ضرورية لاستيعاب صورة الوعاء الاجتماعي الذي تشربت فيه حب الوطن والتمرد على الظلم الاجتماعي.

 

***

 

 

مسيرة العودة إلى أرض الوطن

 

منذ إبعادي في آب 1971 وحتى عام 1990 لم أتمكن من دخول الأردن، حيث امتنعت السلطات الأردنية عن منحي جواز سفر. وأخيراً، وبنتيجة تدخل مكتب منظمة التحرير في عمان وشخصيات فلسطينية أخرى، وافقت تلك السلطات على منحي الجواز الأردني بتاريخ 7/5/1990. وقد دخلت الأردن براً من الحدود السورية بجواز السفر اليمني الدبلوماسي. وقد كانت مجموعة من الأقارب تنتظرني على الجانب الأردني. وفي اللقاء الذي تم في دائرة المباحث، بناء على طلب أبلغوني به على الحدود، وضم عدداً من ضباط المباحث، دار الحديث بشكل عام عن انهيار الأنظمة في المعسكر الشرقي وتداعيات ذلك. وهذا ولد لدي الظن بأن الموافقة على منحي جواز السفر الأردني، ربما كانت مرتبطة زمنياً مع هذا الانهيار. وهكذا، أخذت أتردد على الأردن، الذي يضم الكثير من الأقارب والأصدقاء، كما كان نقطة التقاء مع بعض الأهل من الأراضي الفلسطينية المحتلة، علاوة على أنه كان للحزب الشيوعي الفلسطيني مكتب في عمان، ولو أنه مموّه.

بعد قرابة الثلاثة أعوام، وفي أجواء الانفراج النسبي والتفاؤل الذي أعقب الإعلان عن نجاح المفاوضات السرية في أوسلو، تقدم الأهل في القدس إلى السلطات الإسرائيلية بطلب السماح لي بزيارة. وقد وافقت تلك السلطات، مع كفالة مالية. وقام الأهل بناء على اتفاق تلفوني بيننا بتأمين التصريح في عمان. وفي أوائل نيسان 1993، حضرت من براغ إلى عمان، وأنا أتحرق شوقاً وتتزاحم الصور والأفكار في رأسي عن الأهل والرفاق والأصدقاء والبلد وما طرأ عليها من تطورات خلال هذا الغياب القصري الطويل.

وفي اليوم التالي لوصولي إلى عمان توجهت صباحاً باكراً إلى الجسر. ولما قدمت التصريح إلى رجل الأمن الإسرائيلي المسؤول، تناوله من داخل شباكه وطلب مني الانتظار. وطال الانتظار حتى الظهر، وأنا أراقب ركاب الباصات القادمة من الطرف الأردني يجتازون، بعد انجاز المعاملات للركاب، الباص وراء الآخر. وأخيراً حين راجعت ذلك الموظف أجابني: «أنت ممنوع من الدخول!» وهنا أخذت أصرخ وقد انفعلت بشدة، مما أثار انتباه كل من كان في القاعة: «أنتم هنا دولة والذين أصدروا التصريح دولة أخرى»! فما كان منهم إلا أن طلبوا مني الانتظار، مما جعلني أتوهم أنهم سيعيدون دراسة الأمر. وبهذه الطريقة أفلحوا في خداعي وإسكاتي في حضور الجمهور، وذلك حتى انتهوا من جميع من كانوا في القاعة، وإذا بجنديين يسحباني إلى سيارة باص صغير، حملتني مجدداً إلى الجسر الأردني. ويبدو أن سوء حظي ترافق مع حادث معين، داخل الأرض المحتلة، علمت عنه لدى العودة إلى عمان، مما أثار حفيظة المحتلين. وهكذا، عدت محبطاً وقد تبخرت الأحلام التي جئت بها. وفي كل حال، إن صراخي في القاعة أفاد في أن بعض من شاهدوا الحادث أخبروا الأهل الذين كانوا ينتظرون على الجانب الفلسطيني، ليعودوا بدورهم فاشلين محبطين.

لم يمض على هذه المحاولة الفاشلة للزيارة أكثر من ثلاثة أسابيع، وإذا بي أفاجأ بالإعلان عن السماح لقرابة ثلاثين مبعداً بالعودة، وكنت أحدهم. كان بينهم روحي الخطيب، رئيس بلدية القدس زمن النظام الأردني، وحنا ناصر رئيس جامعة بيرزيت، والأديب محمود شقير، وفايق وراد الأمين الأول السابق للحزب الشيوعي الأردني ورشدي شاهين وداود عريقات وعبد الله السرياني والمحامي عدنان البكري وآخرين.

دخل هذا العدد من المبعدين العائدين إلى أرض الوطن على دفعتين، الأولى في 30 نيسان 1993، والثانية، وكنت في عدادها، في الثالث من أيار، وذلك حتى وصلت من براغ إلى عمان. كانت الاستقبالات الجماهيرية حاشدة وحارة في مدينة أريحا تفوق الوصف. وأذكر أن المستقبلين لم يصبروا حتى نهبط من الباصات التي أقلتنا، بل سحبوا بعضنا من نوافذ الباص. كان اللقاء عاطفياً ومثيراً لأعمق المشاعر الإنسانية. أخذ بعض الأقارب والأصدقاء يعرفونني على أنفسهم. فقد تركت البعض أطفالاً وآخرين تغيرت ملامحهم خلال اثنين وعشرين عاماً. وفي كل حال، يصعب علي وصف المشاعر التي انتابتني، حينها، وأنا أطأ أرض الوطن وألتقي أبناءه من جديد بعد غياب طويل.

ومن مفارقات الإبعاد الطويل والتشرد أن البعض من العائدين ما أن حصل على هوية الضفة أو القدس (كنا من القدس لا نزيد عن الخمسة فقط) وقضاء بضعة أيام أو أسابيع حتى عاد إلى عمان حيث استقر وأسس حياته هناك خلال سني الإبعاد الطويلة.

وأكثر ما لفت نظري هو المتغيرات على الأرض، كالمستوطنات التي تحتل قمم الجبال كبثور الجدري اللعين، وعلامات الطرق التي أصبحت تشير، لا إلى أماكن المدن والمواقع الفلسطينية، وإنما إلى مواقع المستوطنات والأماكن الإسرائيلية في الأساس.

تدفقت أعداد كبيرة من المهنئين على بيت أخي الكبير أسعد على مدى ثلاثة أيام. وحدث في اليوم الثاني من أيام الاستقبال هذه أن جاء طاقم التلفزيون الإسرائيلي، القناة الثانية، وأمضى ساعات طويلة في بيت الاستقبال، وأثار الكثير من الأسئلة حول آفاق السلام، وأذكر أنني قلت رداً عن سؤال حول ياسر عرفات ونواياه السلمية، بأنه هو الأقدر على صنع السلام من الجانب الفلسطيني مع إسرائيل، لأنه الأكثر واقعية. وفي اليوم التالي اصطحبني الطاقم نفسه إلى البلدة القديمة، إلى مكان البيت الذي كنت أعيش فيه في حوش الغزلان، والذي هدمه الإسرائيليون، وحولوا الحي بكامله إلى حي يهودي بعد أن هجّروا جميع سكانه العرب. وقد عرض التلفزيون ذلك في مادة امتدت قرابة ربع ساعة.

كان علي تأسيس بيت جديد، وما أكثر ما فعلت ذلك، وكان ذلك بمساعدة الأهل والحزب، بما في ذلك شراء بعض الأثاث الضروري المستعمل من قرية بيت عوا، التي كانت بازاراً معروفاً لمثل هذا الأثاث الذي يحصلون عليه من إسرائيل. ومع أنني اندمجت في الحياة من جديد، لكنني بقيت متأثراً بعادات اكتسبتها خلال مدة الإبعاد في مجتمع أوروبي. فمثلاً حتى اليوم أحجم عن إلقاء حتى بطاقة الباص الصغيرة على الأرض في الشارع العام، رغم أنني أشاهد بامتعاض عادة إلقاء أي شيء بما في ذلك حتى زجاجة شراب فارغة دون حرج. وكذلك عادة الالتزام بالدور، حيث الخروج عليه تفاقم بسبب إجراءات الاحتلال وكثرة حواجزه. والأهم من ذلك مسألة الحرص على الموعد، والتي تأصلت في سلوكي منذ أيام العمل السري وتعززت في المهجر. وإذا كنت أغضب، في البدء، وأنفعل من عدم احترام الآخرين بالمواعيد، فقد كان علي التأقلم بالتدريج مع هذه العادة السلبية، رغم أنني حتى اليوم أستاء من الاستخفاف بجدية الموعد ولا أسمح لنفسي بالخروج عليه.

وفي كل حال، إذا كنت قد ارتكبت في هذه الحياة الصاخبة الكثير من الهفوات والأخطاء - كما سبقت الإشارة - فإن هناك ثلاثاً منها أعتبرها بمثابة خطايا ولا أغفرها لنفسي، الأولى: مشاركتي في زيارة بغداد عشية حرب الخليج الثانية أوائل 1991. وكان ذلك بناء على قرار من المكتب السياسي في الداخل، بأغلبية أعضائه بمن فيهم الأمين العام. وجاءت مشاركتي في الزيارة، مع سليمان النجاب، التزاماً بالقرار الحزبي.. هذا الالتزام المعروف عني في حياتي الحزبية الطويلة، رغم عدم قناعتي الكاملة بتلك الزيارة. والخطيئة الثانية، رضوخي للبقاء في اللجنة المركزية في المؤتمر الثاني للحزب عام 1991، بعد أن قررت عن قناعة كاملة التخلي عن جميع مراكزي القيادية. أما الثالثة فهي قبولي الترشح لعضوية المجلس التشريعي أوائل 1996، وهذه لها قصة طريفة.

كنت شخصياً، غير مقتنع بخوض تلك الانتخابات بعدد كبير نسبياً من المرشحين الحزبيين، خصوصاً واستطلاعات الرأي، التي كانت تجريها المعاهد المختصة، بما فيها مركز يقوده أحد الرفاق، كانت تشير إلى تراجع شعبية الحزب، لكن قيادة الحزب تجاهلت كل ذلك وقررت ترشيح سبعة وعشرين رفيقاً بشكلٍ رسمي باسم الحزب، عدا بعض الرفاق الذين خاضوا هذه الانتخابات بصفة مستقلين. كان هذا ببساطة، تبديداً للجهد وللإمكانيات المتواضعة للحزب، كما أن هذا العدد الكبير من المرشحين قد استفز فتح، حزب السلطة، التي اتخذت موقفاً سلبياً من المرشحين الشيوعيين.. مأخوذ في الحسبان أن الشيوعيين كانوا التنظيم الوحيد، عدا فتح وحركة فدا، الذين شاركوا في هذه الانتخابات، بينما قاطعها الآخرون. بمعنى آخر، كانت قيادة الحزب ما تزال تعيش أيام مجد الشيوعيين عندما كانوا القوة الأولى في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي يوم كنت قد حزمت حقائبي للسفر لزيارة براغ، جاءني بعض الرفاق طالبين أن أشاركهم السعي مع الرفيق محمود شقير، الذي شغل حينها، مركز رئيس تحرير صحيفة الحزب العلنية «الطليعة» ليقبل ترشيح نفسه عن دائرة القدس، وذلك بما لي من دالة عليه بحكم المعرفة والعمل المشترك الطويل. وقد لبيت الطلب. وفي اللقاء مع محمود، كان متصلباً في رفضه حتى كدنا نيأس من الأمر، لكنه فاجأنا في آخر لحظة بالقول: «أوافق إذا ترشح «أبو بشار» أيضاً». شعرت بأنني وقعت في مأزق. كيف استخدمت مختلف الحجج لإقناعه بترشيح نفسه، وكيف أرفض، وقد ارتدت هذه الحجج ضدي؟!

وطبعاً، لم أكن مقتنعاً بالنجاح لأكثر من اعتبار، منها أن المخصصات المالية لمرشحي الحزب الأربعة في مدينة القدس كانت هزيلة، بحيث أن صورنا الأربعة سوية في صفحة واحدة، كانت تعلق في أماكن بالكاد أن يتعرف المرء على شخوصنا ويميزها. وبالطبع، فقد كنت من الملتزمين تماماً بهذه الإمكانيات الشحيحة، حيث خرج البعض من مرشحي الحزب عن حدودها، بضخ مبالغ إضافية من مصادره الخاصة. من جانب آخر، كان هناك تزييف غير قليل لصالح مرشحي فتح، وكان منهم في منطقة القدس أحمد قريع، وتوظيف إمكانات السلطة التي يحتكرونها لصالح مرشحيهم.. وعندما توجهت لأعطي صوتي في أحد الصناديق، لم أجد اسمي في قوائم الناخبين، رغم أنني مرشح!

أكثر من ذلك، كانت قيادة الحزب قد رفضت عرضاً من عرفات بتأمين أربعة مقاعد للحزب في المجلس التشريعي الأول، كما تبين لاحقاً، ولم يكن الرفض لمبدأ الصفقة وإنما لحجمها. وبقي بشير البرغوثي، حتى منتصف ليلة فرز الأصوات، مقتنعاً بنجاح ما يزيد على عشرة من مرشحي الحزب.

وفي الحقيقة، فإن هذا الموقف غير الواقعي، والذي يتجاهل الوقائع المتغيرة على الأرض كان جزءاً من نهج مغلوط ومشوش في سياسة الحزب آنذاك، عكس نفسه على شكل ترنح بين القبول والرفض. ففي حين وافق الحزب على اتفاق أوسلو، مع تحفظات، فقد راح يشارك حيناً ويمتنع حيناً في العملية التفاوضية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي حول تفسيرات البنود العامة لاتفاق أوسلو المذكور.. مشترطاً الأخذ بمنهجيته في إدارة العملية التفاوضية تلك. ومع أنها منهجية سليمة وصحيحة من حيث الأساس، لكن ما هي قوة الحزب على الأرض لفرضها على عرفات، الذي كان، في الوقت ذاته، معني بمشاركة رفاق الحزب في هذه العملية ويثق بهم، وكان يمكن لهؤلاء الرفاق أن يحتلوا دوراً مرموقاً في العملية التفاوضية، تؤدي إلى تحسن في الأداء التفاوضي، مهما كان حجمه، وفي الوقت ذاته تعزز من نفوذ الحزب في منظمة التحرير. وعبر هذا التعزيز كان من الممكن العمل لصالح تبني منهجية الحزب في العملية التفاوضية.

وقبل ذلك، كان عرفات قد عرض على الحزب المشاركة بوزير في أول حكومة فلسطينية، لكن قيادة الحزب رفضت ذلك، ثم عادت لتقبل المشاركة في الوزارة التي أعقبت انتخابات المجلس التشريعي وفشل الحزب في دخول هذا المجلس ولو بممثل واحد. علماً بأن قبول المشاركة في الوزارة الأولى كان في ظرف أكثر مواتاة للحزب حيث كان وضعه العام أفضل. وبالمناسبة، فقد كنت مع المشاركة في الوزارة التي دخلها بشير البرغوثي، على قاعدة: «أن تأتي متأخراً خيراً من أن لا تأتي».

***

منذ العودة إلى أرض الوطن، عام 1993، عشت المعاناة مع شعبي من الاحتلال وجرائمه وعنصريته، والتي بلغت ذرى غير عادية منذ الاجتياح العسكري للأراضي الفلسطينية عام 2002، حيث تحولت الحياة إلى جحيم حقيقي. لكن ما يغيظ المحتلين ويخرجهم عن أطوارهم هي قدرة هذا الشعب الأسطورية على التحمل والتأقلم مع شتى صنوف المصاعب والآلام، صامداً فوق أرض وطنه.

وخلال هذه السنين بعد العودة وقع لي حادثان طريفان مع المحتلين، ربما يستحقان الذكر، الأول: أنني بعد العودة، توجهت إلى دائرة السير الإسرائيلية في القدس الغربية، للحصول على رخصة سياقة سيارة. وبناءً على الرخصة التشيكية التي في حوزتي، صرفوا لي أخرى إسرائيلية لمدة خمس سنوات. وحين قاربت على نهايتها، توجهت للدائرة نفسها لتجديدها. ولما تقدمت إلى الموظفة المسؤولة، برخصتي التي توشك صلاحيتها على النفاذ، أخذت تلك الموظفة تنقل نظرها بين الرخصة وبين شاشة الكومبيوتر، وقد اتسعت عيناها وعلت وجهها علامات الدهشة، ثم تحولت نحوي قائلة: «هنا مسجل لدينا أنك ميت!» وكعادتي، تبسمت ولو بمرارة هذه المرة وقلت: «أنا أقف أمامك وهذه رخصتي للسياقة، وهذه أيضاً هويتي الشخصية». لكنها استدعت رئيستها، التي رفضت الاعتراف بكل هذه الحقائق، وأصرت علي أن أحضر شهادة رسمية من مكتب وزارة الداخلية الإسرائيلية بأنني حي! كان هذا يعني رحلة عذاب مضنية للوصول إلى مكتب الداخلية، الذي تعمد الإسرائيليون أن يجعلوا منه المرجعية الأساسية لمعظم شؤون سكان القدس العربية، والدخول إليه يتطلب أن يبكر المرء، من سكان القدس العربية، منذ منتصف الليل أحياناً، بأمل أن يفلح في الدخول إليه حين يفتح أبوابه في الثامنة صباحاً، وأحياناً يضطر لتكرار هذه العملية، من شدة الزحام.

أما الحادث الثاني، فهو من نوعٍ مختلف.فقد توجهت ذات يوم إلى المكتب المختص بشؤون الصحافة والصحافيين، بهدف الحصول على هوية صحافي. وبعد طول مماطلة وتسويف، أخبرني مدير المكتب بأنهم لن يصرفوا لي مثل هذه الهوية. ولما استفسرت فيما إذا كانوا لا يصدقون أنني صحافي، لآتيهم بالبراهين عند الضرورة - وحينها، كانت تظهر لي في فترات متقاربة مقالات في الصحف اليومية - لكنه رد بالقول: «نحن نعلم أنك صحافي، لكننا نرفض منحك الهوية الصحافية لأسباب أمنية». حينها، رحت ألحّ بطلب الحصول على هذا السبب خطياً. وبعد مماطلة، سلموني سبب المنع خطياً. أثرت الموضوع في الصحافة وأمام لجنة حقوق الإنسان الإسرائيلية، ولكن دون جدوى.

***

 وأخيراً، إذا كان للمرء أن يقيم، اليوم، هذه المسيرة الشخصية الطويلة بمعايير ذاتية وأنانية، فهذا يمكن اختزاله في ثلاث كلمات: مثل حياة جبر..! كما يقول المثل الشعبي. فعدا الطفولة البائسة، كان من هذه المسيرة حوالي سبع سنوات ونصف السنة في المعتقلات الصحراوية والزنازين الانفرادية والسجون الأردنية والإسرائيلية، واثنتي عشرة سنة محكوم غيابياً في العمل السري الذي هو أسوأ من السجن في بعض جوانبه، وبعد ذلك اثنتان وعشرون سنة من الإبعاد عن الوطن. أما إذا جرى تقييمها، أي هذه المسيرة من حيث كونها خلية في الجسم الفلسطيني النابض والمقاوم بشكل أسطوري منذ قرابة قرن لمختلف صنوف التآمر لتغييبه وطمسه، فإنها تغدو، من وجهة نظري، مبررة بكل المعايير الإنسانية. وهذا هو المهم في آخر تحليل!

***

------------

* دار التنوير للنشر والترجمة والتوزيع

  دار البيرق العربي للنشر التوزيع

  رام اللة – فلسطين – دوار الساعة

  بناية مركز رام اللة التجاري ط3

  تليفاكس: 2950521-009722

  جوال: 5/8/2009