מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

 

شغب لبنى أحمد حسين
 
بقلم صبحي حديدي*
 
 
حسناً فعلت الزميلة الصحافية السودانية لبنىأحمد حسين حين طبعت 500 دعوة، وزّعتها على أهل الصحافة والإعلام، وبعض منظمات حقوقالإنسان في السودان، وذلك للمشاركة في الحدث التالي: "حضور محاكمتها وجلدها 40جلدة، تحت المادة 152 من القانون الجنائي لسنة 91 (ملابس تسبب مضايقة للشعورالعام). المكان محكمة النظام العام ـ محلية الخرطوم وسط السجانة. الزمان يوليو 2009 (لم تحدد حتى الآن). والدعوة عامة!!!".
وكما بات معروفاً اليوم، في الثالث منشهر تموز (يوليو) الجاري، كان أفراد من شرطة النظام العام في الخرطوم قد داهمواقاعة يُقام فيها حفل عامّ يضم نحو 300 إلى 400 شخص، وأوقفوا 13 من الفتيات اللواتيكنّ يرتدين البناطيل، واقتادوهنّ إلى مفوضية الشرطة. وهناك جرى تنفيذ عشر جلداتبحقّ بعضهنّ، ممن وافقن على قبول العقوبة والنجاة من المحاكمة؛ كما أحيلت ثلاثمنهنّ إلى المحكمة، كانت بينهنّ الصحافية لبنى أحمد حسين. العقوبة طُبّقت إستناداًإلى المادة 152 من القانون الجنائي السوداني، لعام 1991، حول "الأفعال الفاضحةوالمخلة بالآداب العامة"، والتي يقول نصّها: "1) من يأتي في مكان عام فعلاً أوسلوكاً فاضحاً أو مخلاً بالآداب العامة أو يتزيا بزي فاضح أو مخلّ بالآداب العامةيسبب مضايقة للشعور العام يعاقب بالجلد بما لا يجاوز اربعين جلدة أو بالغرامة أوبالعقوبتين معاً. 2) يعدّ الفعل مخلاً بالآداب العامة إذا كان كذلك في معيار الدينالذي يعتنقه الفاعل أو عرف البلد الذي يقع فيه الفعل".
ثمة، ابتداء، مقدار مريعمن الغموض يكتنف الصياغة اللغوية لهذه المادّة، ويفسح بالتالي المجال الأوسع لأشكاللا حصر لها من التأويلات، بصدد تعريف "الفعل" أو "السلوك" أو "الفاضح" أو "المخلّبالآداب"، ناهيك عن تحديد "الزيّ" أو "المضايقة" أو "معيار الدين" أو "العرف".ولكن، بمعزل عن هذه الاعتبارات القانونية، ما يثير الدهشة هو أنّ الصورة التينشرتها الزميلة حسين عن زيها "الفاضح" ساعة توقيفها، هي في الواقع الدليل الفاضحعلى تخلّف تلك المادّة من القانون، وانفصالها عن أزمنة البشر وأمكنتهم، وانتمائهاإلى غيهب جاهلي بغيض ومقيت. ذلك لأنّ الزميلة، كما تبيّن الصورة، كانت ترتديبنطالاً فضفاضاً (من القماش العادي، وليس الـ "جينز" الضيق)، ينسدل عليه قميص ملوّنيكاد يبلغ الركبتين، وتضع غطاء الرأس السوداني التقليدي (الطرحة). ما الـ "فاضح"،إذاً؟ وهل يشكّل هذا اللباس "مضايقة" للشعور العام، وعقوبة 40 جلدة؟
يشيرالكثيرون، بحقّ في الواقع، إلى أنّ ما وراء الأكمة هو غير ذاك الذي تذرعت بهالشرطة، والباعث الحقيقي يتجاوز بكثير حكاية البنطال، ليبلغ شأو معاقبة الزميلة علىما تنشره من مقالات نقدية نارية ضدّ السلطة، في عمود شهير جسور يحمل العنوانالدالّ: "كلام رجال". ولعلّ خدش حياء أهل السلطة، وليس الإخلال بالآداب العامة، هوالذي دفع رجال الشرطة إلى معاقبة الصحافية الشجاعة؛ وهذا ما دفعها إلى دعوة الرأيالعام لكي يشهد محاكمتها وجلدها، ولكي تنقل إلى العلن نقاشاً آن أوانه، حول تلكالمادّة الظلامية من القانون الجنائي السوداني.
تقول لبنى أحمد حسين: "قضيتى هيقضية البنات العشر اللواتي جُلدن في ذات اليوم، وقضية عشرات بل مئات بل آلافالفتيات اللواتى يُجلدن يومياً وشهرياً وسنوياً فى محاكم النظام العام بسببالملابس، ثم يخرجن مطأطأت الرأس لأن المجتمع لا يصدّق ولن يصدّق أن هذه البنت جُلدتفى مجرد ملابس. والنتيجة الحكم بالإعدام الاجتماعى لأسرة الفتاة، وصدمة السكري أوالضغط أو السكتة القلبية لوالدها وأمها، والحالة النفسية التى يمكن أن تُصاب بهاالفتاة، ووصمة العار التي ستلحقها طوال عمرها".
والحال أنّ همجية هذا الطراز منالعقاب، أي جلد الأنثى بتهمة ارتكاب "أفعال فاضحة"، لا تتلاءم البتة مع تقاليدالسودان التربوية والثقافية التي أسندت على الدوام، وما تزال تسند، إلى المرأةدوراً فاعلاً وحيوياً في الحياة العامة. ولولا هذه الخصوصية، كيف يمكن للمرء أنيفسّر تلك الدرجة العالية من "التسامح" التي يبديها الشيخ حسن الترابي تجاه الحقوقالشخصية للفرد عموماً، والمرأة خصوصاً؟ ألا يقول، في حوار شهير مع الصحافي الأمريكيملتون فيورست: "الرسول نفسه أغلظ في القول للممتنعين عن الصلاة، ولكنه لم يتخذ أيإجراء بحقّهم. وتوجد فروض اجتماعية حول كيفية اختيار الرجال والنساء للباسهم، ولكنالمسألة ليست جزءاً من القانون"؟
وكما في كلّ شأن يمسّ الحرّيات العامة، سيماإذا تمّ انتهاكها على النحو المشين الذي تنتهي إليه المادّة 152، لا طائل من وراءاستنكار هذه الوقائع بهدف تجميل الشريعة أو تنزيه الدين عن إلحاق الجور بالعباد،فالجوهر لا يكمن هنا في كلّ حال. المطلوب، في المقابل، هو إدانة ذلك البند في ذاته،وكلّ ما يشبهه أو يتكامل معه من قوانين، دون تأتأة أو مجاملة أو مراعاة أو مداهنة،فلا كرامة لنصّ يهدر كرامة الإنسان، وهذا هو الأصل والفصل، وهنا القاعدة والقياس.لقد وضعت لبنى أحمد حسين إصبعها على جرح مفتوح، يتوجب أن يُطهّر من القيح لكييتعافى تماماً، عملاً بالمبدأ الذي كان الراحل الكبير محمود أمين العالم يلهج به:شاغبوا، تصحّوا!
-----------------
  • صبحي حديدي -  ولد في بلدة القامشلي عام 1951 ودرس الأدب الانجليزي بجامعة دمشق، لوحقلأسباب سياسية، فكان الخروج هو الحل، وظل مشردا بين لندن وباريس. منفاه كان قاسيا وصارما حتى انه عندما ماتت أمه لميستطع العودة ليتلقي فيها العزاء. نشر حديدي العديد من الدراسات والأبحاثوالترجمات من أهمها :""تعقيب علي الاستشراق" لإدوار د سعيد، "الأسطورة والمعني"  لكلود ليفي شتراوس، "ضجيج الجبل" لكاواباتا، "طيران فوق عش الوقواق" لكين كيسوغيرها من الترجمات.
 المصدر: الحوار المتمدن (www.ahewar.org) - العدد: 2715 – 22.7.2009  
 


 
7/29/2009