מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

 

بدو النقب المنسيّون 
بقلم يوسف الغازي
 
 "لوموند ديبلوماتيك"  / 5 ايار 2009 *

نهار الخميس 20 آذار/مارس2008، قرابة الساعة التاسعةمساء، ذهب البستانيّ صبري الجرجاوي، البالغ من العمر 25 سنة، والمقيم في بلدة النقبالبدويّة "شقيب السلام"، مع صديقه اسماعيل أبو محارب، من اللقية إلى الشاطىءالقريب: شاطىء عسقلان. وفي موقف السيارات، كان شرطيّان بثيابهما المدنيّة يدقّقانفي الأوراق الثبوتيّة. صرخا إلى الشابين البدويّين: "ماذا تفعلان هنا، أيّها العربالقذرون؟ أخرجا من هنا. لا يحقّ لكما القدوم إلى هنا!".
إحتجّ صبري تحت تأثير الصدمة. صفعه أحد رجال الشرطة،ثمّ ضربه بواسطة مصباحٍ يدويّ؛ في حين شلّ الشرطي الآخر اسماعيل بتقييده بالأصفاد.رمى حينها رجلا الشرطة صبري أرضاً ثمّ أبرحاه ضرباً بأرجلهم إلى أن أُغمي عليه.
وصلت فرقة من الشرطة إلى المكان ولاحظت وضع صبريالصحيّ الحرِج، فاستدعت سيارة إسعاف. حاولت الفرقة الطبيّة، التي اكتشفت بأنّ الرجلالشاب لم يعُد يتنفّس ولم يعُد ينبض، إنعاشه لفترة عشرين دقيقة. بعد ذلك، نقل إلىأقرب مستشفى: مستشفى "بارزيلاي" في عسقلان. هناك، لاحظ الأطباء بأنّ جسمه يحملعلامات رضوضٍ على الرأس والجبين والوجه والصدر والرجلين، وكسوراً في عظام الجبينوالوجه، إضافة إلى نزيفٍ مزدوج: في الدماغ والرئتيْن.
في اليوم التالي، اتّصلت الشرطة بأحد أعمامه لإبلاغهبأنّ حفيده مجروحٌ وهو في المستشفى. ومن جهته، أُطلق سراح اسماعيل بعد إبقائهيوميْن تحت المراقبة دون اتّهامه. لكن وضع صبري أصبح حرجاً، لدرجة أنّ أطباء عسقلاننقلوه إلى بئر السبع، حيث مستشفى "سوروكا" المجهّز بشكلٍ أفضل. بقي في حالةٍ منالغيبوبة ثمّ توفّي بعد سبعين يوماً، في 2 تموز/يوليو 2008. وبموجب القانون، سيباشرالأطباء الشرعيّون بتشريح لجثة، وسيقوم جهاز الشرطة الداخليّة بتحقيقٍ فيالأمر.
مع ذلك، ستبلغ الشرطة الداخلية عائلة صبري، بعد ثلاثةأشهر، بأنّها لم تتوصّل إلى تحديد أسباب الوفاة: فالتشريح يُثبت بأنه تعرّض للضرب،لكنّ الخبراء يدّعون بأنّهم لا يعلمون ما إذا كانت الضربات هي التي تسبّبت فيمقتله. شقيق صبري، طبيبٌ يُدعى الدكتور منصور جرجاوي، يتحدّث مع ذلك عن "عمليّةقتلٍ بدمٍ بارد، وعن جريمة بلا أيّ سبب". أمّا والدا صبري، وهما فوق السبعين منالعمر، فلم يتخطّيا الصدمة. وقد استخدمت العائلة خبيراً في الطبّ الشرعي وتحرّياًخاصاً، سيمنحان للمحامي معلومات كافية لرفع دعوى قضائيّة.
إنّ حدوث قصّة مماثلة لعربيٍّ من النقب ليس أبداً منباب المصادفة. ذلك أنّ بدو النقب يشكّلون - مع اليهود القادمين من أثيوبيا - أكثرالطبقات الاجتماعية فقراً في المجتمع الاسرائيلي [1]؛ إلاّ أنهم يمثّلون حوالي 12 في المئة من المواطنين العرب فيالدولة الإسرائيلية.
في العام 1948، كانوا يحصون سبعين ألف نسمة، وكانوا لايزالوا يمثّلون غالبيّة سكّان الصحراء، يعتاشون من الزراعة وتربية المواشي. والأرضوالمياه اللّتان كانتا فيما مضى ملكيّةً عامة، تحوّلتا شيئاً فشيئاً إلى ملكيّاتخاصّة، لكن بلا سجلّ عقاري. بل كان الجيران يقومون مقام السجلّ. بعد نكبة العام 1948، لم يبقَ هناك سوى أحد عشر ألفاً: وسيهر الباقون أو سيطردوا. وقد استمرّتعمليّات الطرد هذه، العسكريّة الطابع، حتى العام 1959.
الذين بقوا سيخسروا 90 في المئة من أرضهم؛ وسيحاطوابـ"سياج" وسيخضعوا للأنظمة العسكرية نفسها، كما جميع المواطنين العرب (حتّى العام 1966). هكذا، كانت أيّة عملية تنقّل تتطلّب إذناً خاصاً رهناً برغبة الحاكمالعسكريّ. وهكذا من أصل الـ1260000 هكتار من أراضي النقب التي تعود ملكيتها، بحسبالوثائق الرسمية للانتداب البريطاني، إلى البدو، لم يعودوا يسيطرون سوى على 24 ألفمنها؛ وأصبحوا مرغَمين منذ ذلك الحين على النضال باستمرار للاحتفاظ بها. ذلك أنّالدولة لا تزال تطمع بأراضيهم، عبر استخدام ترسانةٍ لا تنضب من القوانين والأنظمةوأساليب التنكيد التعسّفية.
فخلال فترة الستينات والسبعينات، بذلت إسرائيل قصارىجهدها لإرغام البدو على التمركُز في سبع بلديّات (راهط، الحورة، تلّ السبع، اللقية،شقيب السلام، كسيفة، عرعرة)، بغضّ النظر عن عاداتهم القرويّة. لهذا وافق فقط 56 فيالمئة من الـ120 ألف بينهم على القيام بذلك. أمّا بالنسبة للذين رفضوا، فقد أصبحتقراهم الأصليّة "غير معترَف بها": واعتُبرت "غير شرعية"، لذا فهي غيرموجودة حتّىعلى الخرائط الرسميّة.
طبعاً لا تزال القرى السبع "المُعترَف بها" غيرمطوّرة: إذ لا تتضمّن مصانع؛ وتنتشر فيها البطالة بكثافة؛ وتبدو بناها التحتيّة،على غرار خدماتها العامة، بدائيّة. وهي، بحسب الإحصائيّات الرسمية، تحتلّ أدنىمستويات السلّم الاجتماعي الاقتصادي للبلاد. لكنّ وضع القرى "غير المُعترَف بها"أكثر سوءاً، خاصّة في مجال الصحّة والتعليم. فغالبيّتها غير متّصلة بالشبكاتالوطنية للمياه والكهرباء والهاتف.
المشكلة الأكثر إيلاماً هي السكن. فبالرغم من التناميالسريع للسكان المحلّيين، الذي يتميّزون بأعلى زيادة سكّانية في البلد، تمنعالسلطات أيّة عمليّة بناء، وإن كانت بدائيّة. هكذا يجد البدو أنفسهم مرغمين علىبناء المساكن بلا رخص. وها إنّ العقوبات تنهمر على رؤوسهم كالمطر: غرامات مرتفعة،وبشكلٍ خاصّ التدمير المنهجيّ للقرى. ويأتي "المخرِّبون" برفقة عددٍ كبيرٍ من رجالالشرطة الذين تثير عدائيّتهم مواجهات عنيفة، تنتهي بتوقيفات. وقد قدّرت الأبحاثالتي أُجريت في جامعة بن غوريون في بئر السبع عدد أوامر التدمير في القرى "غيرالمُعترَف بها" بستّة عشر ألفاً.
وهذا مثال: فبين أيار/مايو 2006 وآذار/مارس 2009، قامتالسلطات الإسرائيلية، لإرغام مئات البدو في قرية طويل أبو جروال على مغادرة المكان،بتدمير منازلهم... اثنين وعشرين مرّة! لكن بلا جدوى: كان السكان المصمّمون يعيدونمنذ اليوم التالي بناء أكواخ الصفيح، حتى أنّهم كانوا يعيدون نصب الخيم...
لشنّ حرب الأغوار هذه، تنكر دولة إسرائيل على البدوحقّهم في ملكيّة غالبيّة الأراضي التي يعيشون عليها. الأمر الذي يسمح لها، بواسطةجهازها القمعيّ، بمصادرة الأراضي، ومنع بناء المساكن عليها أو استثمارها في الزراعةوتربية المواشي، وتعطيل استخدام الآبار، وتحديد مناطق الرعي. ففي الفترة الممتدّةبين العامين 2002 و2004، مثلاً، قامت الدولة بتدمير أراضي الرعي على مساحة 24500دونماً، إمّا عبر فلاحتها، أو عبر رشّها بموادٍ كيميائيّة سامّة.
أمّا الدكتور منصور جرجاوي فيكرّر: "لن نستسلم إلى أنتتمّ محاكمة وإدانة قتلة شقيقي".
--------------
[1] من المصادرالتي استُقيت منها هذه المقالة:
 ايمانويل ماركس "بدو النقب" جامعة مانشستر 1967؛صبري جريس "العرب في اسرائيل" دراسة بالعبرية، حيفا 1966؛ غازي فلاح "الفلسطينيونالعرب المنسيون، عرب النقب 1906-1986، دراسة بالعربية، مركز التراث العربي فيالطيبة 1989؛ كتاب الإحصاءات السنوي لبدو النقب 2004، مركز الدراسات والتنميةالبدوية في جامعة بن غوريون؛ نشرة النقب الصادرة عن منتدى التعايش المشترك للمساواةالمدنية (www.dukium.org).
 
--------------
* أيضا في عدد ايار/مايو 2009 :
7/29/2009