מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

غزة  بين سندان الحصار الاسرئيلي ومطرقة ممارسات حماس

بقلم سليم يونس الزريعي * 

 

 

 

عندما كنا نقرأ بعض المؤشرات التي يمكن أن يؤول إليها الحال في قطاع غزة ؛بدءا من ميثاق حماس ونصوصه قطعية الدلالة في سياق ممارساتها على الأرض ، وربطها بتلك المؤشرات التي يعبر عنها قادتها ومروجي أطروحاتها الفكرية وصولا إلى الإنقلاب على سلطة كانت هي الحجر الأساس فيها ، بهدف البحث عن نموذج يمثل إطروحة حركة الإخوان المسلمين في نظرية الحكم ، كان البعض يقول بأن ذلك نوع من التحامل الفكري على حركة ترفع لواء المقاومة .

وهو قول يلامس الشكل دون أن يبحث في مضمون هذه الممارسات ذات الاتجاه الإجباري ، معروف النهايات لمن يريد أن يستخدم عقله في قراءة نزيهة ؛ تأخذ بمفردة الفكر النصي في علاقتها بالجوانب السياسية والاجتماعية والكفاحية دون عزل أيا منهما عن الأخرى ، والتعامل معها كأنها حالة قائمة بذاتها ؛ وليست في علاقة جدلية باعتبارها هي السياسات النهائية في كل المجالات .

ولذلك لم يكن مفاجئا لي على الأقل بدء تداول وسائل الإعلام والمحلليين السياسيين ومنظمات المجتمع المدني الحديث حول اتجاه حركة حماس بخطوات تدريجية ومنهجية نحو " أسلمة " قطاع غزة ؛ مع أن سلطة حماس تنفي ذلك إعلاميا حتى الآن ؛ وكأنه " تهمة " ؛ غير أن الوقائع على الأرض وممارسات أجهزة حماس التي أقامتها بعد سيطرتها على غزة ، تقول بغير ذلك ، حتى بدا الكشف عن بعض الممارسات التي تقوم بها أجهزة حماس الأمنية ؛ والتي كان الحديث عنها في وقت سابق بمثابة نوع من "الافتراء " ؛ على المقاومة التي هي حماس ، حتى جاء قرار رئيس مجلس العدل الأعلى ؛ الذي أقامته حماس في قطاع غزة ؛ موازيا للجهات القضائية الشرعية بفرض الحجاب على المحاميات داخل قاعاة المحكمة ؛ ليظهِّر تلك السياسة ؛ ويسلط الضوء على جملة ممارسات حماس ؛ حيث لم يعد بإمكانها أن تغطي ذلك .

وبهذه الخطوة العلنية ؛ وربط ذلك بجملة الممارسات التي تقوم بها حماس ؛ دون أن تعلن ذلك ، وتنفيه بشدة ، بل وتنكر أنها بصدد فرض رؤيتها الفكرية على سكان القطاع ؛ بجملة الممارسات التي تقوم بها دون أن تعلن ذلك ؛ رغم أن المواطنين يعيشون هذا الواقع بالملموس يوميا ؛ وفي وقت تتحاشى فيه القوى السياسية ناهيك عن الأفراد مجرد الحديث عن ذلك ؛ لاعتبارات تتعلق بأن الهم الأساسي هو في مواجهة الانقسام ، وليس الحديث في تجاوزات حماس للقانون الأساسي ، على قاعدة أن الانقلاب الذي قامت به ، هو في الجوهر نسف لمفهوم القانون الأساسي وكل القيم التي تربي عليها الشعب الفلسطيني .

لذلك لم يكن مستغربا أو مستفزا أن يجري الحديث عن بدء حماس بتحويل القطاع إلى " إمارة حمساوية " بعد أن بات من الصعب استمرار تنفيذ هذا التوجه عبر خطوات سرية ، وقيام بعض متحدثيها بالنفي الدائم لتلك الخطوات مع أنها تمارس ذلك فعلا وعلى الأرض ؛ عبر خطة متدرجة يكتوي بها أهل غزة ، وإذا كانت إجراءات سلطة حماس نحو " أسلمة " قطاع غزة تلقى التأييد الكبير من أوساط حماس وأنصارها ؛ وبعض الجماعات الأصولية التي تم تفريخها خلال الأعوام القليلة الماضية ؛ إلا أن تلك الإجراءات لا تحظى بالقبول من قبل فئات وشرائح واسعة من الشعب الفلسطيني في غزة .

ولذلك كان بعيدا عن المصداقية أن تحاول حماس التغطية على ذلك ؛ بأن تنفي على لسان المتحدث باسمها ؛" اتخاذ أي قرار جديد مخالف لما هو موجود من قوانين أو تعليمات جديدة غير موجودة ، في القانون ؛ في هذا المجال " في حين أن إسماعيل هنية رئيس سلطة حماس في القطاع أكد في خطبة الجمعة 24/7 " أن المجلس التشريعي ( الذي يقتصر على أعضاء حماس في القطاع ) قد أقر قوانين جديدة للحفاظ على الصورة الجمالية لشعبنا وحماية الآداب العامة والقيم والأخلاق وعدم الخروج عن قواعد السلوك السوي " بل ودعا "سكان غزة الالتزام بهذه القوانين ؛ ومن أن حكومة حماس ملتزمة حماية الناس وستلتزم تطبيق القوانين الصادرة عن المجلس التشريعي " .

وفي إطار تكريس واقع جديد في غزة وفق رؤية حماس الفكرية ؛ أقرت سلطة حماس في 9/6 أيضا ؛ " لائحة الآداب العامة " ؛ وهي لائحة لم تنشر ولا يعرف عنها أهل غزة شيئا ؛ فهي ملك من يطبقها فقط ، وبهدف البدء في تطبيق اللائحة عقدت ورشة عمل شاركت فيها أجهزة حماس المكلفة بالأوقاف والداخلية والنيابة العسكرية والمدنية وجهاز القضاء والشرطة للبحث في آليات التطبيق ، بهدف المحافظة على النظام العام والآداب في المجتمع ؛ ونشر ثقافة الفضيلة وتقوية الجبهة الداخلية للمجتمع الفلسطيني .

ومع أن حماس واصلت إنكارها السعي ل "أسلمة " المجتمع الغزي ؛ إلا أن خطواتها في هذا الاتجاه وهي غير معلنة ؛ كشفها قرار فرض غطاء الرأس والجلباب على المحاميات لدى ترافعهن أمام محاكم حماس ؛ الأمر الذي عدته نقابة المحامين مسا بالحرية ، عندها لم يكن أمام حماس أن تنكر إصدار هذا القانون وفرض تطبيقه بدءا من 1/9 ، حيث بررت سلطة حماس القرار بأنه " جاء لتنظيم العمل في السلطة القضائية وإظهار المحامين بمظهر لائق في المحاكم "

وإذا كان فرض الحجاب على المحاميات قد صدر في قرار رسمي مكتوب ومعلن ، لم يكن بقدرة حماس أن تنكر صدوره ؛ ومن ثم نيتها العمل على تنفيذه فإن هناك توجها آخر غير معلن ؛ ينحُ باتجاه فرضه ( بالحث الشفوي ) على موظفات القطاع العام ؛ وطالبات المرحلة الثانوية ، حيث قالت طالبات في المرحلة الثانوية أن مشرفين ومفتشين تابعين لحماس لمحوا إلى احتمال فرض الزي الشرعي ( الجلباب والحجاب ) عليهم بدءا من الموسم الدراسي الجديد بدلا من الزي التقليدي .

ويأتي ذلك في سلسلة الممارسات التي تقوم بها حماس في قطاع غزة منذ سيطرتها عليه منتصف 2007 ؛ وذلك في سعي حثيث منها لفرض نموذجها الاجتماعي على أهل غزة ؛ تحت عنوان " نعم للفضيلة " التي أطلقتها سلطة الأوقاف والشؤون الدينية التابعة لحماس ؛ والتي بررها مدير الإدارة العامة للوعظ والإرشاد لدى سلطة حماس يوسف رزق " بوجود بعض مظاهر الفساد في المرافق العامة والسهرات الليلية المختلطة ، وانتشار ظاهرة الكوفي شوب المغلق ؛ والإنترنت غير المراقب ، والاختلاط في الجامعات ؛ ووجود بعض مظاهر الانحلال الأخلاقي في بعض المواقع ؛ واللباس الفاضح في الأماكن العامة وشواطئ البحر " ومن يسمع هذه الذرائع يعتقد أن غزة لم تكن تعرف الفضيلة والأخلاق ، وفي ذلك إساءة بالغة لأهل غزة المكافحة الصامدة الصابرة .

غير أن جوهر الأمر أن حماس تريد ان تقيم مجتمعا وفقا لتفكيرها هي ، وهو تفكير ينطلق من رؤية اجتماعية ليس لها علاقة بالواقع القائم وبحاجات الناس ، ومصالحها وفيه تعد واضح على حريات الناس وتفسير إرادوي لمعنى الفضيلة والآداب العامة على مقاس فكر حماس .

بل إن سلطة حماس ، ترى في الملابس المعروضة على ( المانيكان ) في واجهات المحلات التجارية؛ وفي صور العارضات على "عبوات" الملابس مظاهر فاضحة تسعى للقضاء عليها ، هذه الشكلانية في التعاطي مع مفهوم الفضيلة والأخلاق ؛ يتجاهل أن الفضيلة والآداب العامة لها علاقة بثقافة الناس ووعيهم الاجتماعي وسلوكهم ، وهي ولا شك مترسخة في وعي ووجدان أبناء غزة ، وهم ليسوا في حاجة إلى هذا الفهم الشكلي والتعسفي لمعنى الفضيلة وتجلياتها ؛ فكم من " ثمرة " فاسدة رغم شكلها الخارجي الجذاب ؛ لأن البحث عن الشكل مهما كان الجوهر ، هو ما تسعى وراءه حملة " أسلمة " غزة ؛ وكأن غزة ليست مسلمة ولا محافظة ، أي المجتمع الإسلامي غير الأيديولوجي .

وقد كشف قانون رداء المحاميات عن جملة من الممارسات التي لم يكن يتم الحديث عنها ؛ والتي طالت فيما طالت خدمة الإنترنت ، عبر ما يسمى ب " الفلترة " التي فرضتها سلطة حماس ، بدعوى أنها حجبت المواقع الإباحية في حين أن هذا التدخل ساهم في بطء خدمات الإنترنت ، ناهيك عن الرقابة السياسية على الاتصالات لمنع التواصل بين الناس خاصة بين الضفة القطاع والخارج ، كما طالت الحملة مرتادي الشواطئ في قطاع مكتظ بالسكان ؛ حيث يشكل السكان أعلى كثافة سكانية في العالم ، بأن فرضت على الشباب تغطية الجزء الأعلى من أجسامهم وعدم إظهارها تحت دعوى " الفضيلة والآداب العامة ".

ووصل الأمر حد قيام سلطة حماس ودعاتها وخطباء مساجدها والصحافيون المحسوبون عليها شن هجوم على المخيمات الصيفية التي تنظمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( الأونروا ) سنويا لعشرات الآلاف من الطلاب في مدارسها على مستوى القطاع ، تحت زعم أنها تنفذ مخططا يهدف إلى إفساد الجيل الناشئ ، ويبدو هنا سوء النية وانعدم النزاهة ؛ ذلك أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين دأبت ومنذ عقود على إقامة المعسكرات الصيفية لطلاب غزة من اللاجئين ، وهي تلك الأجيال التي فجرت أكثر من انتفاضة هنا تنعدم المصداقية حيث يظهر البعد الإيديولجي في تصرفات حماس ليحجب الحقيقة .

وإنه لمن المحزن أن يقع شعب غزة ضحية هذا التفكير الذي يتعامل معهم وكأن الأخلاق والفضيلة تنقصهم ، ومن ثم فإن عليهم أن يقبلوا ب" الإصلاحية " التي تقيمها حماس من أجل إعادة تأهيلهم أخلاقيا ، ليليقوا بالإمارة الحمساوية التي تجتهد حماس في إقامتها في غزة .

وكان الله في عون أهل غزة الذين وقعوا بين سندان الحصار ومطرقة ممارسات حماس.

---------------

* المقال نشر تحت العنوان: نحو الإمارة

المصدر: الحوار المتمدن –  www.ahewar.org العدد:  2733 -9.8.2009     <

8/5/2009